منتدى المدية
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى, و شكرا.
إدارة المنتدى




 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 شرح كتاب العلم من صحيح الإمام البخاري لفضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Hamykaly
 
 
avatar

عدد المساهمات : 176
تاريخ التسجيل : 09/02/2010
العمر : 27
الموقع : سوق أهـــراس

مُساهمةموضوع: شرح كتاب العلم من صحيح الإمام البخاري لفضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني2   السبت 6 مارس 2010 - 17:38

موقف الغزالي المعاصر من أهل الحديث والرد عليه

علماء الحديث لهم منة في أعناق المسلمين، لكن بكل أسف فقد ظهر في زمننا من يغمط حق أهل الحديث. ويتهمهم بالغباوة، وأنهم لا يفقهون شيئاً في الحديث إلا نقل الأسانيد فقط، حتى قال صاحب كتاب: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، قال: إن المحدثين والفقهاء مثل البنَّاء والمناول. الذي يقوم بإيصال اللبن أو الطوب إلى البناء. يقول: المحدث هو العامل الذي يناول اللبن أو الطوب للفقهاء، والفقهاء هم الذين يبنون، هكذا يقول. هل هذا قدر المحدثين؟ وهل هذا جهد المحدثين؟ هذه المجالس عقدناها لنبين أن أفضل الفقهاء هم المحدثون، وسنبين ذلك بالبرهان لا بالدعوى، وأن أهل الحديث شامة لا يستطيع الفقيه أن ينتفع بالسنة إلا من طريقهم؛ لأن العلماء اتفقوا أنه لا يؤخذ حكم شرعي من حديث ضعيف. حسن الفقيه الصرف الذي ليس له علاقة بالتصحيح والتضعيف، فالمحدث يؤخذ علمه في الحديث، والفقيه يؤخذ علمه في الفقه، والمفسر يؤخذ علمه في التفسير، واللغوي والرجل النحوي يؤخذ علمه في النحو، إذاً الفقيه قبل أن يأخذ الحكم الشرعي من الدليل يسأل المحدث، أَثَبَتَ هذا الحديث فنأخذ الحكم منه أم لا؟ إذا قال المحدث: نعم إن الحديث صحيح، هنا يبدأ الفقيه بالاستدلال بالحديث، واستنباط الأحكام منه. إذاً: دور المحدثين أسبق من دور الفقهاء.


البخاري وكتابه الصحيح ومكانتهما

أنت في البيت عندك صحيح البخاري مطبوع في مجلد، هل تعلم كم ظل سنوات يؤلف البخاري رحمه الله هذا الكتاب؟ لقد بقي سبع عشرة سنة، هذا الإمام الذي كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث يمر فيها كالسهم كما يقرأ أحدنا: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص:1]، ثلاثمائة ألف حديث لا يختلط عليه فيها إسناد في إسناد ولا رجل مكان رجل، ولا متن مكان متن أبداً، يذكرون في ترجمته أن أبا زرعة الرازي ، وأبا حاتم الرازي كانا يجلسان بين يديه كما يجلس الصبي بين يدي شيخه، والبخاري يمر في العلل مرور السهم. فهذا الإمام الذي كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث يصنف كتابه في قرابة عشرين عاماً، أما في وقتنا الحاضر ففي كل ثلاث أو أربع ليال يخرج لأحدنا كتاب، وتراه يطبع جزءاً وراء جزءٍ وراء جزءٍ، ورحم الله الشيخ المطيري كان يقول: عندهم إسهاب في التأليف، لقد ظهر التحقيق من ثلاثين سنة، قلما تعرف اسم محقق جليل، كان المحققون قلة، أمثال الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني ، والشيخ أحمد شاكر ، والشيخ محمود شاكر ، والشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، ومحمد فؤاد عبد الباقي ، وعبد السلام هارون ، ومحمد أبو الفضل إبراهيم ، وعلي الجداوي ، ومحمد إبراهيم زايد، كانوا مجموعة يقومون بتحقيق الكتب، فقلما كنت تجد اسماً جديداً.. لماذا؟ لأنه لم يكن في ذلك الوقت شهادات علمية، كما هو الآن، فقد ملأت الشهادات الدنيا، وأصبح الوصول إلى الفائدة قريب المنال، لكن في عصرنا هذا كل سنة ويظهر أبو عبد الله الأثري ، أبو عبد الرحمن الأثري ، حتى إن الشيخ الألباني قال في الأثري: إنه موضة العصر، تجد عشرات المحققين الذين أنت لا تعرف في أي مجال هم، ولا تعرف قدرهم من العلم، ولا تعرف هل زكاهم العلماء أم لا، يلعبون بالتراث، ويسرقون جهود الناس، وأي رجل -يعني مثلاً- درس كتب الشيخ الألباني يعلم أن أكثر هؤلاء المحققين يسرقون تخاريج الألباني ، وتجده يقوم بتغيير بعض تخريج الألباني قليلاً، إذا كان الألباني يأتي بالتخريج في صفحة فهذا يختصره في نصف صفحة، ويقدم قولاً ويؤخر قولاً، أو يغير في الطبعة وهكذا، مثل أن يقوم الألباني يجعل البيهقي بعد أحمد أو أحمد بعد البيهقي يأتي هذا المحقق ويقدم ويرتب من أجل أن لا ينكشف أمره، لكن أهل الصنعة يعلمون أن هذا مسروق. لقد ظهر كثير جداً من هؤلاء الناس الذين يسرقون الكتب، والعلماء المتقدمون لم يكونوا ليفعلوا ذلك. مرَّ محمد بن أبي حاتم الوراق مع شخص من أهل العراق ، وأنت تعرف أن أهل العراق كانوا ينتقصون الأفاضل، فسمع رجلاً يقول: إن البخاري لا يحسن أن يصلي؛ فتوجع من هذه الكلمة فنقلها إلى البخاري ، قال له: سمعت رجلاً بالعراق يقول: إن البخاري لا يحسن يصلي؟ فقال البخاري : لو شئت لسردت لك عشرة آلاف حديث في الصلاة قبل أن أقوم من مجلسي هذا. إذاً: الذي يحفظ عشرة آلاف حديث في الصلاة لا يحسن الصلاة.. كيف هذا؟! فالإمام البخاري صنف كتابه على أوسع القواعد العلمية المعروفة عند أهل الحديث، فنحن إذا علمنا كيف صنف البخاري رحمه الله كتابه، ثم كيف وضع أهل الحديث الموازين لنقد الرواية، وقبول الأخبار؛ لعلمنا عظمة المحدثين، ومدى قدر جميلهم على هذه الأمة، فأهل الحديث هم الذين تركوا أولادهم، وتركوا ديارهم، وتركوا ملذاتهم وشهواتهم من أجل تصحيح لفظة واحدة، فكيف بحفظ السنة كلها؟


صور من تثبت أهل الحديث عند سماع الأحاديث والحكم عليها

قصة شعبة بن الحجاج في التثبت

هنا قصة ذكرها ابن حبان في مقدمة كتاب: المجروحين من طريق أبي الحارث الوراق، يقول وهو متروك؛ لكن القصة وردت من طريق الطيالسي -أي: أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، ونبه عليها أبو الحجاج المزي في كتاب: تحفة الأشراف القصة الثالثة، يقول أبو الحارث الوراق : جلسنا بباب شعبة نتذاكر السنة، فقلت: حدثنا إسرائيل بن يونس ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن عطاء ، عن عقبة بن عامر الجهني ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ فتحت له أبوب الجنة الثمانية) أبو الحارث أكمل الحديث من هنا وشعبة لم يكن قد خرج من باب الدار، فسمعه وهو يقول هذا الحديث، فلطمه شعبة ودخل الدار. وكان مع شعبة عبد الله بن إدريس، فخرج شعبة وأبو الحارث يبكي، فقال عبد الله بن إدريس لـشعبة : إنك قسوت على الرجل؛ قال: إنه مجنون، إنه لا يدري ما يحدث، أنا سألت أبا إسحاق عن هذا الحديث، وسرد شعبة قصته مع هذا الحديث، كان شعبة حافظاً لأحاديث كثيرة جداً، لقد بذل شعبة جهوداً عظيمة من أجل تصحيح كثير من الأحاديث من ضمنها القصة التي حكيتها هذه، قال شعبة : أنا سألت أبا إسحاق السبيعي عن هذا الحديث، قلت له: سمعت هذا الحديث من عبد الله بن عطاء ؟ لماذا شعبة سأل أبا إسحاق ؟ لأن أبا إسحاق كان يدلس تدليس الإسناد. وأنا أبين لك خطورة المسألة، ولقد طاف شعبة الدنيا وراء هذا الحديث؛ خشية أن يكون أبا إسحاق دلسه، ما معنى دلسه؟ تعريف الدلس في اللغة هو: اختلاط النور بالظلام، فتدليس الإسناد عرفه العلماء بقولهم: هو أن يروي الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه.. كيف ذلك؟ مثلاً: أنا محدث من المحدثين في زمن الإمام أحمد وأنتم تلامذة، فأقول: حدثني وكيع ، قال: حدثنا سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن علقمة -مثلاً- أو عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود ، أو أنا مثلاً من طبقة الإمام أحمد ، قلت: حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أنس ، إسناد صغير لكي يسهل الفهم، سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أنس ، إسناد ذهبي، أنا الآن سأكون سفيان ، فأنت عندما تروي هذا الحديث عني ستقول: حدثنا سفيان -هذا واحد- قال: عن الزهري -هذا الثاني عن أنس هذا الثالث- إذاً أنت بينك وبين الرسول كم؟ ثلاثة، أنت تلميذي، وأخذت مني، وثبت لقاؤك لي، وبعد ذلك حصل لك ظرف فغبت عن المجلس في هذا اليوم، وأنا حدثت في المجلس الذي غبت عنه عشرة أو خمسة عشر حديثاً، وأنا لا أكرر الأحاديث التي أقولها، فأنت عندما ما ترجع من السفر سألت زملاءك: ماذا أخذتم؟ فقالوا لك: والله نحن أخذنا عشرة أو خمسة عشر حديثاً. إذاً: أنت عندما تريد أن تروي تلك الأحاديث هل ترويها عني أم عن زملائك؟ عن زملائك؛ لأنك لم تحضر، فلو قمت ورويتها عني ولم تسمعها مني بهذا الفعل صرت مدلساً، فإن قلت: حدثني فقد كذبت، وإن قلت: عن فقد دلست. إذاً: لكي تروي هذه الأحاديث لابد أن تقول: حدثنا فلان عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن أنس ، إذاً: كم بينك وبين الرسول صلى الله عليه وسلم كم؟ أنت الآن نزلت درجة، كان بينك وبين الرسول عليه الصلاة والسلام ثلاثة، الآن أصبح بينك وبينه أربعة، والعلو في الإسناد هو أن تقلل الوسائط بينك وبين النبي صلى الله عليه وسلم، وكان علو الإسناد هو الدافع لبعض المحدثين على تدليس الإسناد؛ لأنه صعب عليه بعد ما بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فيلجأ إلى التدليس وهو أن يسقط صاحبه ويرويه عن شيخه الذي لم يسمع منه تلك الأحاديث. إذاً: نرجع لتعريف التدليس، قال لك: هو أن يروي الراوي -الذي هو صاحبنا - عن شيخه الذي سمع منه وثبت لقاؤه به، وهو من تلاميذه ما لم يسمعه منه؛ لأنه كان غائباً، فهذا اسمه: تدليس الإسناد، وهذا أكثر أنواع التدليس دوراناً في الأسانيد. اعلم أن أصل كلمة: (عن) فيها شوب اتصال، يعني لها وجهان، وجه يفيد الانقطاع، ووجه آخر يفيد الاتصال، لكن لو قلت: حدثني ابن تيمية هل ينفع؟ لا. ولا يلتبس على أحد أن هذا الكلام كذب؟ لأن ابن تيمية مات سنة (728هـ) ونحن الآن في القرن الخامس عشر، لكن لو قلت: عن ابن تيمية أنه قال: لا يقدر أحد يدافعني، أو يرد عليَّ، لماذا؟ لأني ذكرته عنه ولم أروه، وقد أقول لك: أنا لم أسمعه منه ولم أحدث به على أني سمعته منه وإنما ذكرته عنه بلفظة (عن). إذاً: لفظة (عن) واسعة، فالمدلس يدخل بلفظة (عن) على المحدثين، لا تستطيع أن تقول له: أنت كذاب. فسيقول لك: أنا لم أقل: (حدثني)، ولهذا الذي يدلس لا يقول: (حدثني) أبداً، ولو قالها كذبوه، ويقولون إنه كذاب، ويسقطونه مباشرة، لكن نقول: عنه: روى الحديث فلان وهو مدلس وقد عنعنه. لفظة (عنعنه) أي: رواه بلفظة (عن). المهم أن أبا إسحاق السبيعي كان ممن يدلس تدليس الإسناد، وشعبة بن الحجاج كان يكره التدليس جداً، وكان يقول: (التدليس أخو الكذب) وكان يقول: (لأن أشرب من بول حمار حتى أروي ظمئي أحب إلي من أن أدلس) وكان يقول: (لئن أزني أحب إلي من أن أدلس) قول شعبة هذا يقصد به التنفير عن التدليس، والتشنيع على من يفعله، كقول الله تبارك وتعالى: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29] هذه الآية ليس فيها حرية الكفر، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جور) يعني: لو ذهب هذا وأشهد الصديق هل ينفع أن يشهد؟ لا ينفع. وكقول إبراهيم النخعي للذي جاء يسأله عن العقيقة؟ قال: عق ولو بعصفور. مع أن العلماء اتفقوا أن العقيقة لا تحل لا بالعصفور ولا بالبط ولا بالوز، وإنما تكون من الأزواج الثمانية، من كل ما يخرج من الأنعام. المهم أن شعبة كان شديد النكير على المدلسين، فـأبو إسحاق كان مدلساً، فكان شعبة لا يمكن أن يقبل من أبي إسحاق أي حديث إلا بعد أن يسأله، أنت سمعت هذا من شيخك؟ شعبة بعد أن سمع هذا الحديث من أبي إسحاق قال له: أسمعته من عبد الله بن عطاء ؟ فغضب أبو إسحاق وأبى أن يجيب؛ إذاً: فقد دلس أبو إسحاق ، فكان في مجلس أبي إسحاق السبيعي مسعر بن كدام ، ومسعر بن كدام أحد الأئمة الثقات الكبار الحفاظ، كان أبو حاتم الرازي يقول: مسعر المصحف. ماذا يعني المصحف؟ يعني: أنه لا يوجد عنده خطأ في الحديث من قوة حفظه وإتقانه، كالمصحف لا يوجد زيادة ولا نقصان، كذا قال: مسعر كالمصحف. فـمسعر بن كدام لما رأى أبا إسحاق فد غضب بسبب إصرار شعبة على أنه سمع أو لم يسمع، قال مسعر : يا شعبة ! إن عبد الله بن عطاء حي بـمكة ، فاذهب إليه، وشعبة كان في البصرة ، ومعلوم أنه سيركب الجمال أو الحمير، وكأنه يقول له: إذا كنت تريد أن تتأكد، فاذهب إلى مكة واسأل عبد الله بن عطاء عن هذا الحديث. قال شعبة : فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث. المهم أنه خرج من البصرة وذهب إلى مكة فلقي عبد الله بن عطاء ، وكان رجلاً شاباً، قال له: حديث الوضوء. هل سمعته من عقبة بن عامر ؟ قال: لا. -إذاً أبو إسحاق السبيعي دلس في الإسناد-. قال له: لا. إنما حدثنيه سعد بن إبراهيم ، وسعد بن إبراهيم هذا مدني، من أهل المدينة ، قال شعبة : فلقيت مالكاً في الحج فقلت له: أحج سعد بن إبراهيم ؟ قال: لم يحج العام. قال: فقضيت نسكي وتحللت، وانحدرت إلى المدينة ، فلقيت سعد بن إبراهيم ، قلت له: حديث الوضوء أسمعته من عقبة بن عامر ؟ قال: لا. ولكن حدثني به زياد بن مهران ، من عندكم خرج -من البصرة -. فخرجت وذهبت إلى زياد وأنا كثير الشعر وسخ الثياب، فقلت: حديث الوضوء، أسمعته من عقبة بن عامر ؟ قال: لا. وقال لـشعبة : ليس من حاجتك. قال: لا بد. معنى ذلك أنه لن ينفعك، أنت صاحب البضاعة الجيدة والأسانيد المتينة، فهذا لن ينفعك، قال: لا بد، قال: لا أحدثك حتى تذهب إلى الحمام فتغتسل وتغسل ثيابك وتأتيني. قال: فدخلت الحمام واغتسلت، وغسلت ثيابي وأتيت، فقلت له: حديث الوضوء، أسمعته من عقبة بن عامر ؟ قال: لا. وإنما حدثني به شهر بن حوشب ، فقال له: شهر عن من؟ قال: عن أبي ريحانة ، عن عقبة بن عامر . إذاً كم صاروا؟ أربعة، عرفت التدليس ماذا يعمل؟

تحمل الصعاب من أجل تحصيل العلم

يقول ابن أبي حاتم الرازي : دخلنا مصر فظللنا سبعة أشهر ما ذقنا فيها مرقاً -يعني لم يأكلوا لحماً سبعة أشهر- نهارنا نطوف على الشيوخ، وليلنا ننسخ فنصحح. يقول: في يوم من الأيام ذهبنا إلى درس شيخ فقالوا لنا: مريض؛ قلنا: فرصة نأكل، قال: فاشترينا سمكةً عظيمة كبيرة، وكان موعد درس الشيخ الذي بعده قد دخل، فتركوا السمكة في البيت وذهبوا ليحضروا درس الشيخ، ومرت ثلاثة أيام لم يستطيعوا أن يطبخوا السمكة هذه، وذلك بسبب أنهم لم يجدوا وقتاً لطباختها، لاشتغالهم بالدروس والنسخ والتصحيح، قال أبو حاتم : حتى خشينا أن تفسد فأكلناها نيئة، ولقد كانت رحلاتهم طويلة. أبو حاتم الرازي يقول: إنه دخل من الري إلى نيسابور، إلى خراسان، إلى القدس، إلى الشام، إلى مصر، وقال: إنه عد كم مشى على رجله إلى سبعة آلاف فرسخ، قال: ثم تركت العد. ابن معين جعل نفسه حارساً على حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، أوقف حياته لهذه المهمة العظيمة، وهي حماية حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فلو أن شخصاً حضر مجلساً للأعمش فنام قليلاً والشيخ قد حدث بحديث أو اثنين أو ثلاثة، ثم قام من نومه فسمعها من زملائه فجعل يحدث بها عن الأعمش ، فهذا تدليس الإسناد، إذاً يحيى بن معين يأتي إلى أحاديث ذلك الرجل الذي نام عن بعضها ويقول: إنه لم يسمعها من الأعمش وإنما سمعها ممن سمع الأعمش ، وقام بروايتها عن الأعمش إذا: هو مدلس.

تعظيم علماء السلف بعضهم لبعض

كان الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين رفيقين في الطلب، أحبة في الله، وكان أحمد يعظم يحيى بن معين ، وكان يحيى بن معين يعظم أحمد ، فيا ليت طلبة العلم يعظم بعضهم بعضاً، ويحب بعضهم بعضاً، فلم يكن أحمد بن حنبل ينادي أبداً يحيى بن معين باسمه أبداً على الإطلاق، ولا يحيى ينادي أحمد بن حنبل باسمه أبداً، إنما كان يناديه بالكنية، مرة عرض على الإمام أحمد إسناد فيه رجل، لم يكن الإمام عارفاً للرجل، هل هو كذاب، أو ثقة، أو مغفل؟! فقال: ليت أن أبا زكريا كان موجوداً. فقال له شخص: وماذا تفعل به؟ قال: ويحك، إنه يحسن هذا الشأن. الإمام أحمد يشهد لـيحيى بن معين بمعرفة الرجال، مع أن الإمام أحمد إمام كبير مقدم في معرفة الرجال، وفي الحكم على الرواة، ولكنه لم يهضم حق أبي زكريا يحيى بن معين .

جهود يحيى بن معين في تمييز حديث أبان عن ثابت

مرة جاء الإمام أحمد ومر على يحيى بن معين فوجده يكتب أحاديث، وكان يحيى كلما اقترب منه شخص طوى الصحيفة، فلما جاء الإمام أحمد قال: ماذا تكتب يا أبا زكريا ؟ قال: أكتب صحيفة أبان عن أنس . أبان بن أبي عياش هذا متروك الحديث، وكان شعبة من أشد المنكرين عليه، وكان يتكلم فيه كلاماً قوياً، فـأبان بن أبي عياش لما تكلم فيه شعبة ترك الناس حديثة. فذهب أبان إلى حماد بن زيد ، فقال له: أخبر شعبة أن يترك الكلام عليّ، فوجد حماد بن زيد وهو راجع من الصلاة فوجد شعبة راكباً البغلة فمسك بخطام البغلة، وقال: يا أبا بسطام . -هذه هي كنية شعبة: أبو بسطام، الضخم، الذي حدث عن الضخام. الذي قال فيه: حدثنا الضخم عن الضخام -شعبة الخير أبو بسطام - قال له: يا أبا بسطام ! ألا تكف عن أبان؟ قال له: لا. ثم إن حماد بن زيد أصر على شعبة بترك الكلام في أبان ، فقال له شعبة: اتركني ثلاثة أيام أستخير الله فيه. وبعد ثلاثة أيام قابل حماد بن زيد فقال له: لا أستطيع السكوت عنه، إنه يكذب على رسول الله، ولم يسكت عنه رحمه الله. المهم أن أبان بن أبي عياش هذا له صحيفة عن أنس كلها خاطئة، وكل الأحاديث التي فيها مضروب عليها، وقديماً كان النساخون يدخلون الحروف في بعضها، ولم يكن عندهم وقت لكي يفصلوا بين الكلمات، فهم يكتبون الكلام متشابكاً مع الذي قبله، ولا يعرف هذا إلاّ الذي عانى المخطوطات وعالجها، بالذات العلماء القدامى. فـثابت وأبان الإثنان عند كتابة القدامى يشبه بعضهم بعضاً فحصل الالتباس عند البعض، أما ثابت عن أنس -ثابت بن أسلم البناني- فإن ثابتاً من ألمع الرواة عن أنس ، وهو ثقة ثبت حافظ جليل القدر، لازم أنساً أربعين سنة، فعندما يأتي حديث ثابت عن أنس فهو صحيح. أما حديث أبان عن أنس فقد مر أنه مضروب عليه، فجعل أبان مكان ثابت أدى إلى خلط واعتقاد أن أحاديث أبان صحيحة ولذلك قام ابن معين وحفظ صحيفة أبان كلها، فإذا جاء رجل فحرف أبان واستبدلها بـثابت ، وحاول أن يمرر علينا الحديث، نقول له: كذبت، بل هذا عن أبان ، عن أنس ، وليس عن ثابت ، عن أنس . والعجب أنهم كانوا يحفظون حتى المتن؛ ليدافعوا عن حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فلهم في ذلك أعاجيب..! فقد أفنوا أعمارهم في وضع كتب وقواعد هذا العلم، فجزاهم الله عنا خير الجزاء.


تجرؤ امرأة في عصرنا على السنة والرد عليها

من العجب أن امرأة ظهرت على شاشات التلفاز وقالت: إن العلماء الثقاة قالوا: إنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا سبعة عشر حديثاً فقط. انظر إلى الكذب، وإلى هضم جهود علماء الحديث وإخراجهم لهذا الكم الهائل من الأحاديث الصحيحة. ومع ذلك فهذه المرأة لم تحاكم، لقد بلغ الهوان بنا لدرجة أن امرأة تتكلم في علم الحديث، مع أن علم الحديث هو علم الذكران من العالمين، لا يوجد امرأة ناقدة، ولها معرفة بعلم الرجال والسند -يعني: تعرف الصحيح من الضعيف- فأكثر ما تحرزه المرأة أنها تحمل رواية كتاب، بمعنى أنها تروي الكتاب بسندها، لكن تتكلم في الأسانيد وتقول: هذا صحيح، وفلان ثقة، وفلان كذاب فهذا ليس من اختصاص المرأة. فهذا العلم -علم الأحاديث ونقد الأسانيد والتذوق والملكة وغيرها- إنما هو علم الذكران من العالمين. وإنه لمن الهوان أن تتكلم امرأة وتقول: إنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا سبعة عشر حديثاً، وباقي الأحاديث لا ندري من أين جاءوا بها؟! إن هذه الدروس التي نلقيها عليكم القصد منها هو: بيان منهج المحدثين في قبول الأخبار وذلك عن طريق الإسناد. سنقرأ الإسناد -إسناد البخاري - قراءة صحيحة، ثم نذكر نصائح الإسناد، والصنعة الحديثية التي استخدمها البخاري في صحيحه، ونقف أيضاً على بعض النكات التربوية الموجودة في الإسناد. ومن مميزات هذه الطريقة أنها تنمي ملكة الاستنباط عند طالب العلم، وهي أفضل من طريقة دراسة الفقه على طريقة الكتب الفقهية المعاصرة. ومن مميزاتها كذلك: أن دراسة السنة تجعل انتماءك لصاحب الكلام قوياً، فعندما تدرس مختصر من المختصرات الفقهية يصير أصلاً عندك لا تستطيع أن تخالفه ولا تخالف أصوله، أما إذا درست كلام رسول الله مباشرة فيكون انتماؤك ودليلك ووجهتك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس قول أحد من العلماء. بقيت نصيحة أخيرة أوجهها لطلبة العلم أقول فيها: أيها الطالب: كلما حركت ذهنك وأنفقت وقتك في فضول الكلام، وفضول العلم، ذهب عليك لب العلم، فلا تشتغل إلا بالعلم. لا تقل: الشيخ الفلاني يفهم، والشيخ العلاني لا يفهم، والشيخ الفلاني صفته كذا، فإذا نصبت نفسك حكماً بين المشايخ فلن تحصل علماً أبداً ولن تفلح، انشغل بالعلم، وبعد أن تصير لك ملكة، ويصير لك شأن، ويكبر معك الإنصاف تكلم إذا شئت. ومن أعظم ما سنحصله من هذه الدروس في علم الحديث: أن نتخلق بخلق أهل الحديث في واقعنا، وأكبر فائدة نستفيدها من علم الحديث أن نكون دقيقين في النقل.

الحصول على العلم يكون بالاكتساب

وكنا قد قلنا: إن العلم يكتسب، يولد الرجل جاهلاً ثم يتعلم ويملأ الأرض علماً، وهذا فضل من الله تبارك وتعالى، هو الذي يؤتيه من يشاء من عباده. حينئذٍِ نقول: إن العلم بالتعلم، بخلاف الحلم فإنه لا يتعلم ولا يكتسب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل عليه وفد عبد القيس وفيهم الأشج ، فلما دخل سلم وجلس حيث انتهى به المجلس، قال: (يا أشج : إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة). وفي مسند الإمام أحمد، سأله قال: (يا رسول الله! أهذان الخلقان جبلني الله عليهما؟ قال: نعم. قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب). فالحلم لا يعلَّم ولا يكتسب، أما العلم فإنه يكتسب، يولد المرء جاهلاً فيكون عالماً. فكأنه يقال لك: لا تيأس، الصفة المكتسبة هذه -التي هي العلم- يمكن أن تكون كالصفة الجبلية فيك، ولذلك قرن الحلم بالعلم إشارة إلى هذا. والدليل الآخر الذي ذكره البخاري رحمه الله قال: قال الله عز وجل: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، والله تبارك وتعالى لا يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالازدياد إلا من شيء هو يحبه وقد اصطفاه له، أمره أن يتقلل من الدنيا وأمره أن يستزيد من العلم، فقال: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا وإياكم ما جهلنا، وأن ينفعنا بما علمنا. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

يتبع لكتاب 3

تحية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://hamykaly113.skyrock.com
rama88
 
 
avatar

عدد المساهمات : 892
تاريخ التسجيل : 16/01/2011
العمر : 29
الموقع : منتدى المدية

مُساهمةموضوع: رد: شرح كتاب العلم من صحيح الإمام البخاري لفضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني2   الأربعاء 11 مايو 2011 - 12:14

جازاك الله جازاك الله جازاك الله جازاك الله جازاك الله جازاك الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
شرح كتاب العلم من صحيح الإمام البخاري لفضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني2
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المدية :: - دينــــــــــي الحنيــــــــف - :: المنتــدى الإسلامـــي-
انتقل الى: