منتدى المدية
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى, و شكرا.
إدارة المنتدى




 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 شرح كتاب العلم من صحيح الإمام البخاري لفضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني13

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Hamykaly
 
 
avatar

عدد المساهمات : 176
تاريخ التسجيل : 09/02/2010
العمر : 27
الموقع : سوق أهـــراس

مُساهمةموضوع: شرح كتاب العلم من صحيح الإمام البخاري لفضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني13   السبت 6 مارس 2010 - 18:03

كيفية معرفة الرواة عند تشابه أسمائهم

البخاري روى هذا الحديث -كما سبق وذكرت- في كتاب الإخلاص وفي كتاب الفتن- قال: حدثني محمد بن كثير قال: حدثنا سفيان عن الأعمش . سفيان من في هذا الحديث؟ وفي أخبار الآحاد قال: وحدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان . سفيان الأول -في السند الأول- هو سفيان الثوري ؛ لأن محمد بن كثير مشهورٌ بالرواية عن الثوري دون ابن عيينة ، وسفيان في السند الثاني هو ابن عيينة وليس الثوري . وعندما نرى في الإسناد (سفيان) -ونريد أن نعرف من هو، هل هو سفيان الثوري ، أو ابن عيينة ؟- ننظر إلى الرواة عنه، فإن كان الرواة عنه كباراً -أي: من طبقة عالية- فهو سفيان الثوري مثل إذا كان الراوي عنه أبو نعيم الفضل بن دكين أو عبيد الله بن معاذ العنبري أو محمد بن يوسف الفريابي مثلاً، أو الضحاك بن مخلد الشيباني ، أو محمد بن كثير العبدي إذا رأينا كل هؤلاء يروون ويقولون: سفيان فهو الثوري ، وهذا على الغالب الأعم. لكن إذا قال القائل: حدثنا سفيان ، مثل: أحمد بن حنبل ، أو علي بن المديني ، أو مسدد بن مسرهد ، أو أبو الربيع الزهراني أو سليمان بن داود أو قتيبة بن سعيد ، أو عمرو بن علي الفلاس مثلاً، أو أحمد بن منيع ، أو كل هؤلاء، فيكون الراوي هو سفيان بن عيينة ؛ لأن كل هؤلاء لم يدركوا الثوري لماذا؟ لأن ابن عيينة تلميذ الثوري ، أخذ عن الثوري . فنحن إذا أردنا أن نحدد الرواة نسند الراوة، ننظر إلى الرواة عنهم، الذين هم غير منسوبين إلى أسانيد مثل (حماد)، هل هو حماد بن سلمة ، أو حماد بن زيد ؟ سفيان بن عيينة أو الثوري ننظر في الرواة عنهما. وروى مسلم رحمه الله هذا الحديث من طريق وكيع بن الجراح وأبي معاوية وعبد الله بن نمير، وعيسى بن يونس كلهم عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة بن اليمان .

استدلال البخاري على صيغة القول

قال البخاري : وقال حذيفة : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين. أيضاً حذيفة قال: حدثنا. فـالبخاري يقول: حدثنا وسمعت وأنبأنا. كلها سواء، وأن الصحابة كانوا يضعون صيغ الإخبار مكان بعضها، ولم ينكر أحدٌ على أحد، قلت: إن البخاري لما ساق هذا كله يريد أن يدلل على أن كل هذه الصيغ تقوم بعضها مكان بعض، وأنها متساوية وتؤدي نفس الغرض.

وصل البخاري لحديث حذيفة والفوائد المستنبطة منه

فقال: وقال حذيفة : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين. هذه معلقات علقها البخاري رحمه الله، إذاً أين إسناد البخاري ؟ نقول: حديث حذيفة وصله البخاري في الموضع الفلاني، أو وصله فلان في الموضع الفلاني. البخاري روى هذا الحديث مسنداً في كتاب الإخلاص، وفي كتاب الفتن، قال في الموضعين: حدثني محمد بن كثير ، أخبرنا سفيان ، حدثنا الأعمش ، عن زيد بن وهب ، حدثنا حذيفة بن اليمان ، قال: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة) ....) الجذر: هو أصل الشيء، والأمانة في هذا الحديث: هي الإيمان، الذي يستلزم العمل بمقتضاه، والمقتضى هو جملة التكاليف الشرعية، وبما أنك رضيت بالله رباً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبياً، وبالإسلام ديناً، فبمقتضى هذا التقرير، إذ مطلوب منك أن تلتزم بالتكاليف الشرعية. إذاً عندما نقول: الإيمان هو أصل ومقتضى. وهو المذكور في قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72] فالإيمان نزل في جذر قلوب الرجال، أي: في أصل قلوبهم؛ ثم عملوا من القرآن، ثم علموا من السنة، فأيهما تقدم الآخر: الإيمان أم العلم؟ الإيمان. فهذا هو الفرق الذي ألمح إليه عبد الله بن عمر ، وجندب بن عبد الله البجلي ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وآخرون من الصحابة، قالوا: ( تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً، ويأتي أقوامٌ يتعلمون القرآن، ثم يتعلمون الإيمان، يشربونه شرب الماء ) كلام عبد الله بن عمر : يشربونه شرب الماء، كم من واحد حافظ للقرآن من أوله إلى آخره، ولا يفقه منه شيئاً، وهذا كثير. قوله: يشربونه شرب الماء، بمعنى: أنهم أقاموا حروفه وضيعوا حدوده، تجد الواحد منهم يقول لك: أنت لم تفخم الحرف الفلاني، وأنت رققت في غير موضع الترقيق، وأنت أتيت بصلة كبرى وهي صغرى، يفتي في كل هذه الأشياء، هذا أقام حروفه، نعم، لكن ما أقام حدوده الشرعية التي أناطها الله بهم. إذاً: هناك فرق بين الصحابة وبين من أتى بعدهم. ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه حفظ سورة البقرة في عشر سنوات. لماذا؟ لأنه كما روى أبو عبد الرحمن السلمي -أبو عبد الرحمن السلمي هذا أخذ القراءة عن عبد الله بن مسعود ، وعن عثمان بن عفان رضي الله عنهما، وظل يقرئ القرآن أربعين سنة، والذي جعله يمكث يقرئ الناس القرآن أربعين سنة حديث: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). قال أبو عبد الرحمن : فهذا الذي أقعدني من خلافة عثمان إلى زمن الحجاج بن يوسف الثقفي . أربعون عاماً وهو جالس يقرئ الناس القرآن- قال أبو عبد الرحمن السلمي : حدثنا من كانوا يقرئوننا، قالوا: ( كنا نأخذ العشر آيات فلا نتجاوزها إلى غيرها حتى نعمل بما فيها، فتعلمنا العلم والعمل جميعاً ). فالفرق ما بين الصحابة والذين جاءوا بعد ذلك: أن الإيمان سبق القرآن -أعني سبق تعلم العلم- فازدادوا بالقرآن والسنة إيماناً وتسليماً بالله ورسوله. فإذا قيل: قال رسول الله؛ سلَّم في الحال، لماذا؟ لأن عنده إيماناً سابقاً؛ لكن اجعل العلم هو الأول قبل الإيمان، ما النتيجة؟ أنه كلما جاءه أمر من القرآن أو السنة فإنه يعترض عليه، لماذا؟ لأنه لا يوجد إيمان. قال حذيفة رضي الله عنه: (حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها -أي: عن رفع الإيمان من القلب- قال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت) الوكت: هو ما يخلفه الجرح على الجلد من لون داكن أسود. : (ثم ينام النومة فتقبض فيبقى فيها أثرها مثل أثر المجل -ثم بين حذيفة رضي الله عنه معنى: المجل، قال: كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبراً) يعني عندما تأتي بجمر تدحرجه على رجلك أو يدك، فإنه سيصير له أثر، يكون عبارة عن انتفاخ مائي. (كجمر دحرجته على رجلك فنفط -أي: علا وبرز- فتراه منتبراً وليس فيه شيء -أي: منتفخاً، وهو مأخوذ منه المنبر، لأن الخطيب يصعد عليه فيبرز- ويصبح الناس يتبايعون -أي: يبيع أحدهما ويشتري الآخر، المقصود بالتبايع هنا البيع والشراء- فلا يكاد أحدٌ يؤدي الأمانة) لماذا؟ لأن هذه فرع عن الإيمان الموجود في القلب، كل التكاليف إنما هي فرعٌ عن الإيمان الموجود في القلب. فالإنسان الخائن ليس عنده إيمان. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما في حديث عياض بن حمار الذي رواه مسلم وأحمد - قال في نهاية الحديث: (وأهل النار خمسة: فذكر منهم: ورجلٌ لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك -إنسان خائن- وقال: ورجلٌ خائن لا يخفى له طمعٌ وإن دق إلا خانه) النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأهل النار خمسة) فذكر منهم هذا. لماذا؟ لأنه ليس عنده إيمان، لو كان عنده إيمان لما خان الناس، وخادعهم. فيقول حذيفة -بعدما تنزع الأمانة المرة الثانية- : (ويصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً). يقول لك: في بني فلان رجل أمين! كلمة: (رجل أمين) هذه تدل على فساد الزمان. (قال: للرجل: ما أعقله! ما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. ولقد أتى عليّ زمان ولا أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلماً رده عليّ الإسلام، وإن كان نصرانياً رده عليّ ساعيه). قوله: (رده علي الإسلام) يعني الإيمان، مثلاً: أنا بعت واشتريت معك، وحدث أثناء البيع والشراء خطأ في الحساب، فالبائع الذي اشتريت منه رأى أن زدته على قيمة سلعته عن طريق الخطأ، فالإسلام والإيمان الذي في قلبه يجعله يردها إليّ، من الذي جعله يرجعها لي؟ الإيمان والإسلام الذي معه. وقوله: (ولئن كان نصرانياً رده عليّ ساعيه) أي: أذهب إلى الرجل الذي هو المسئول عنه وأقول له: أنا لي كذا عند فلان، إذاً أرجع لي حقي. وهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري أيضاً مختصراً حتى قوله: روى أوله: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم يعلمونه من القرآن، ثم يعلمونه من السنة) وساق الحديث إلى هذا، ورواه من طريق شيخه علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة .

التنبيه على وجود تقديم وتأخير في حديث ابن مسعود

بقي أن أنبه على شيء، وهو أن أبا معاوية وهو من أوثق الرواة عن الأعمش ، واسمه: محمد بن خازم الضرير ، روى هذا الحديث، فخالف عامة أصحاب الأعمش في متنه. ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات يشرك بالله دخل النار) هذا وعد أم وعيد؟ وعيد. قال ابن مسعود : (فقلت أنا: ومن مات لا يشرك بالله دخل الجنة)، فهذا وعد أم وعيد؟ هذا وعد. إذاً : الحديث شقان: وعيدٌ ووعد. الوعيد من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، والوعد من كلام ابن مسعود ، أبو معاوية قلب الحديث فجعل الوعد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والوعيد من كلام ابن مسعود ، وخالف عامة الرواة عن الأعمش في ذلك، وغلطه أهل العلم. وإن كان عندما نقول: أبو معاوية ، عن الأعمش فحديثه صحيح، وهو موافق لحديث جابر بن عبد الله الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن مات لا يشرك بالله دخل الجنة)، لكن نقول: إن قلب هذا المتن شاذٌ من رواية الأعمش ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، وإن صحت رواية غيره من الصحابة، إذاً عامة الرواة عن الأعمش جعلوا الوعد من كلام ابن مسعود ، وجعلوا الوعيد من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله سلم. وأيضاً ذكر لفظة السماع سيار أبو الحكم العنزي ورواها عن أبي وائل ، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: (خصلتان: إحداهما سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخرى أقولها) وساق الحديث أيضاً، فجعل الوعد من كلام ابن مسعود ، وجعل الوعيد من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الرواية رواها ابن خزيمة في كتاب التوحيد. وروى أيضاً لفظة: (سمعت) مغيرة بن مقسم الضبي عن أبي وائل عن ابن مسعود ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم .... وساق الحديث، هذه الرواية في صحيح ابن حبان. وروى الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا هشيم -وهو ابن بشير- قال: أنبأنا سيار والمغيرة . إذاً ابن خزيمة روى رواية سيار ، وابن حبان روى رواية المغيرة ، وأحمد جمعهما في رواية واحدة، قال: حدثنا هشيم -وهو ابن بشير - قال: أنبأنا سيار أبو الحكم ، ومغيرة بن مقسم الضبي كلاهما عن أبي وائل . فذكر لفظة السماع. وأيضاً روى لفظة: (سمعت) عاصم بن بهدلة ، - بهدلة هذه أمه، كان اسمها: بهدلة ، وعاصم هذا هو صاحب القراءة المشهورة، رواية عاصم التي أخذها عنه حفص وشعبة ، ولكن شعبة الذي أخذ القراءة عن عاصم ليس هو شعبة بن الحجاج الإمام العلم المشهور المحدث. لا، هذا هو شعبة بن عياش أبو بكر المقرئ أخذ الرواية عن عاصم ، ولكن الحق أن حفص بن سليمان كان أشهر الرواة عن عاصم بن أبي النجود أو عاصم بن بهدلة . فـعاصم روى هذا الحديث عن أبي وائل شقيق بن سلمة ، وفي مسند الإمام أحمد أورد رواية عاصم من طريق أبي بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن أبي وائل الكوفي ، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. كل هذه الأحاديث التي في صحيح البخاري، اتفق مسلم مع البخاري في رواية أغلبها.

الفرق عند البخاري بين (قال فلان) وبين (وقال لنا فلان)

فقال: وقال لنا الحميدي . أول ما تسمع: وقال لنا هنا القائل شيخه، بخلاف ما إذا قال البخاري : وقال، ولم يذكر كلمة: لنا، البخاري يقول: (قال) ويستخدمها في المعلقات، كما في الحديث الذي بعده، وقال ابن مسعود ، وهل البخاري سمع من ابن مسعود ؟ لا. البخاري رحمه الله إذا قال: (قال لنا) فإنها تساوي حدثنا؛ لأنه في مواضع من التاريخ الكبير، يقول: وقال لنا فلان. ويكون روى هذا الحديث في صحيحه، أو في خارج صحيحه (كالأدب المفرد أو خلق أفعال العباد أو غيرهما)، فيقول في التاريخ الكبير: قال لي، أو قال لنا، ويقول في غيره: حدثنا، وهذا الحديث بعينه هو الذي ذكره في التاريخ الكبير . والحميدي هو عبد الله بن الزبير ، وافتتح البخاري صحيحه بالرواية عن الحميدي ، كما في حديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى ...) رواه عن الحميدي ، عن شيخه سفيان بن عيينة ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن علقمة بن وقاص الليثي ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وسنَّد البخاري هذا الإسناد بالتحديث، قال: حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري ، حدثنا محمد بن إبراهيم التيمي ، سمعت علقمة ، سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى ...). والحميدي صاحب المسند المشهور، له مسند مطبوع في مجلدين، وكان من ألزم الناس للإمام سفيان بن عيينة ، وأيضاً كان من ألزم الناس للشافعي ، وكان من أصحابه الكبار.

أقوال العلماء في صيغ التحديث (حدثنا، أخبرنا، أنبأنا، سمعت...)

قال: وقال لنا الحميدي : كان عند ابن عيينة (حدثنا) و(أخبرنا) و(أنبأنا) و(سمعت) كل هذه الصيغ لا فرق بينها وبين بعضها الإمام سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي -. رحمه الله كما قال الشافعي : لولا سفيان ومالك لذهب علم أهل الحجاز . فـسفيان بن عيينة إمام ثقة ثبت، وهو الوحيد في الدنيا من بين المدلسين الذين تستوي عنعنته مع تصريحه بالسماع، وإلا فالمدلس لابد أن يقول: حدثني، أو أنبأني، أو سمعت التي تفيد أنه سمع ذلك من شيخه مباشرةً. ولو عنعن المدلس الإسناد ردوا عليه حديثه، ولم يقبلوه إلا أن يصرح بالتحديث، إلا سفيان بن عيينة ، فهذا هو الوحيد الذي تستوي عنعنته مع تصريحه بالسماع، كما صرح بذلك ابن حبان في مقدمة صحيحه عند كلامه عن المدلسين. وكتب ابن حبان : أن ليس في الدنيا من له هذه الخصيصة إلا سفيان بن عيينة ،وقال: إنه كان لا يحدث إلا عن ثقة مثل نفسه، ولا نعلم هذا لأحدٍ إلا لـسفيان بن عيينة رحمه الله. فلما نقل الإمام البخاري هذا الكلام عن سفيان بن عيينة ، علمنا أنه مراد البخاري من الصياغة، إذاً كأن البخاري يذهب إلى رأي سفيان بن عيينة أنه لا فرق بين هذه الصيغ جميعاً. وهذا هو أصل الوضع اللغوي في الكلمة، كما قال تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:4]، فذكر التحديث وذكر الإخبار بمعنى واحد، وقال تعالى: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14] وهذا في الإنباء والإخبار، فالتحديث والإنباء والإخبار وإثبات السماع كله بمعنى واحد، وهذا على أصل الوضع اللغوي. وإلى هذا القول ذهب إمام أهل المدينة في زمانه، وهو محمد بن شهاب الزهري رحمه الله، وذهب إليه مالك وابن عيينة كما سمعتم الآن، ويحيى بن سعيد القطان ، وذهب إليه أكثر أهل الحجاز وأكثر أهل الكوفة، وهو الذي اختاره ابن الحاجب في مختصره، في كل هذه الصيغ، ونقل الحاكم أبو عبد الله صاحب: المستدرك عن الأئمة الأربعة: أنهم يقولون بذلك. وذهب آخرون إلى التفصيل ما بين أن يأخذ التلميذ من الشيخ مشافهة، أو أن يقرأ التلميذ على الشيخ، فقالوا: إذا جاءت اللفظة مطلقةً فهذا يدل على أن الشيخ هو الذي قرأ، مثل لو قال التلميذ: حدثنا فلان، أو أخبرنا، أو أنبأنا هكذا بإطلاق؛ فهذا يدل على أن الشيخ هو الذي قرأ. فإذا قُرئ على الشيخ فينبغي أن يغير اللفظة، فيقول: حدثنا فلان بقراءة فلان عليه، أو أنبأنا أو أخبرنا بقراءة فلان عليه، وإلى هذا الرأي ذهب الإمام إسحاق بن راهويه ، والإمام النسائي ، وابن حبان . ابن حبان لا يقول: حدثنا، إنما يقول: أخبرنا، والنسائي أيضاً، إنما يستخدم لفظة الإخبار، وقلما يستخدم لفظة التحديث كأن يقول: حدثنا أو حدثني، وقلما يستخدم لفظة الإنباء، كأن يقول: أنبأنا أو أنبأني، إنما المشهور عند النسائي أنه كان يختار لفظة الإخبار. ومنهم من قال: إذا قال: حدثنا، يكون هذا من لفظ الشيخ، وإذا قال: أخبرنا، فتكون قراءة على الشيخ، وهذا مذهب ابن جريج ، والأوزاعي ، واختاره الشافعي ، وابن وهب ، رحمهم الله، وعليه أكثر أهل المشرق. والذين جاءوا بعدهم كان لهم تفصيل أكثر، قالوا: إذا قال: حدثنا فيكون سمعه التلميذ مع جماعة، وإذا قال: حدثني، يكون سمعه التلميذ وحده من الشيخ، وهكذا في أخبرنا وأخبرني، وأنبأنا وأنبأني، وسمعنا وسمعت ... إلخ. وهذه كلها مسائل اصطلاحية ولا مشاحة في الاصطلاح، ولكن ينبغي بعدما استقر عمل العلماء على هذا أن يراعي المتأخرون اصطلاح المتقدمين فيها، لماذا؟ لأنه صار حقيقة عرفية عندهم، فينبغي عليهم أن لا يتجاوزوها، فالذي على المتأخرين أن يراعوا هذا، وليس على سبيل الوجوب. وللطحاوي - أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة المشهورة، وهو من تلاميذ الإمام النسائي - جزء اسمه: (جزء التسوية بين حدثنا وأخبرنا) أي أن الطحاوي يذهب إلى هذا المذهب الذي ذهب إليه الإمام البخاري رحمه الله، وسبقه إلى ذلك الزهري ، ومالك ، وابن عيينة ، كما بينا ذلك. قلنا: الإمام البخاري رحمه الله له معلقات في صحيحه ، وكما قلنا: ليس كل معلقات البخاري على شرطه، بل بعضها على شرطه، وبعضها ليس على شرطه، فعلق البخاري جملةً من الأحاديث التي وصلها في صحيحه كما يأتي ذكره الآن.

لم ترد صيغة السماع في البخاري عن ابن مسعود في المرفوع بل في المعلق

الإمام البخاري روى هذا الحديث في كتاب الجنائز من طريق حفص بن غياث ، ورواه في كتاب التفسير من طريق أبي حمزة السكري محمد بن ميمون ، ورواه في كتاب الأيمان والنذور من طريق عبد الواحد بن زياد ، كلهم يروونه من طريق الأعمش سليمان بن مهران ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود ، وساق حديثاً. قال ابن مسعود -الكلام هذا كله في صحيح البخاري -: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلمة وقلت: كلمة) . ولم يقع في صحيح البخاري الكلمة (سمعت)، التي أراد البخاري أن يحتج بها، البخاري قال في الحديث المعلق: (وقال شقيق عن عبد الله : سمعت) إنما في صحيح البخاري لم يقع كلمة (سمعت) عندما وقع بدلها كلمة (قال)، ابن مسعود قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت كلمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار، وقلت أنا -أي: ابن مسعود -: من مات وهو لا يدعو لله نداً دخل الجنة) هناك فرق ما بين قوله وما بين قول النبي صلى الله عليه وسلم، وابن مسعود إنما بنى كلامه على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار) معلوم أن من مات وهو لا يدعو لله نداً دخل الجنة، وقد ورد هذا صريحاً بنص النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث جابر بن عبد الله كما في صحيح مسلم: (من مات لا يشرك بالله دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله دخل النار) وكما قلنا: إن ابن مسعود إنما بنى كلامه على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثله عروة بن الزبير لما روى حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من نبل المرأة تيسير أمرها وقلة صداقها. قال عروة : وأنا أقول من عندي: ومن شؤمها تعسير أمرها وكثرة صداقها) إنما بنى كلامه على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك روى هذا الحديث مسلم من طريق وكيع ، ومن طريق عبد الله بن نمير ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود و ، مسلم دقيق فرق بين (سمعت) و(قال)، وقد روى هذا الحديث من طريق شيخه محمد بن عبد الله بن نمير ، قال: حدثنا وكيع بن الجراح ، وأبي -أبوه عبد الله بن نمير - كلاهما -أي: وكيع وعبد الله بن نمير - عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود ، وساق الحديث. انظر إلى التفريق! قال مسلم : وقال ابن نمير : قال ابن مسعود : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم. أما وكيع فقال: قال ابن مسعود : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً فرق مسلم . إذاً كلمة (سمعت) هذه لم تقع في صحيح البخاري ، إنما وقعت في صحيح مسلم، من رواية عبد الله بن نمير ، عن الأعمش فقط. إذاً رواه عن الأعمش حفص بن غياث ، وأبو حمزة السكري ، وعبد الواحد بن زياد و ، وكيع بن الجراح وأبو معاوية ...وآخرون، كلهم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا ابن نمير رواه عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي أراده البخاري في التعبير الذي أوردنا، أنه يكفي كلمة: (سمعت). فهذه الرواية قرأها مسلم كما قلتُ لكم، من طريق شيخه محمد بن عبد الله بن نمير ، عن عبد الله بن نمير ، عن الأعمش . وروى هذه الكلمة أيضاً ابن خزيمة في كتاب: التوحيد، قال: حدثنا أبو سعيد الأشج قال: حدثنا عبد الله بن نمير ، عن الأعمش ، عن ابن مسعود قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم.. فذكر كلمة.

استدلال البخاري على صيغة التحديث

فقال البخاري : وقال ابن مسعود : حدثنا -وهذا هو الشاهد (حدثنا) فهو يذكر الصيغ- رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق. وهذا التعليق وصله الإمام البخاري في أربعة مواضع من صحيحه ، فحديث ابن مسعود : (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار. وإن الرجل يعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة). فهذا الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب بدء الخلق، في باب ذكر الملائكة، من طريق أبي الأحوص ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الله بن مسعود ، وأبو الأحوص هذا اسمه: سلام بن سليم . ثم رواه بعد ذلك في كتاب الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، من طريق شيخه عمر بن حفص بن غياث ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش ، قال: حدثنا زيد بن وهب ، قال: سمعت ابن مسعود يقول: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق). ثم افتتح الإمام البخاري بهذا الحديث كتاب القدر، ورواه من طريق شيخه أبي الوليد هشام بن عبد الملك ، قال: حدثنا شعبة ، قال: أنبأني سليمان الأعمش -وهو سليمان بن مهران الأعمش ، ولكن غلب لقبه على اسمه- عن زيد بن وهب ، عن عبد الله بن مسعود قال: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق) وكلمة (حدثنا) موجودة في جميع طرق الحديث. ثم -أخيراً- رواه الإمام البخاري في كتاب التوحيد في باب: (( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ )) ورواه من طريق شيخه آدم بن أبي إياس ، قال: حدثنا شعبة ، قال: حدثنا الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الله بن مسعود، وساق الحديث. إذاً: البخاري علق هذا الحديث مع أنه وصله في صحيحه في أربعة مواضع كما ذكرنا الآن، وهذا الحديث أخرجه أيضاً الإمام مسلم من طريق وكيع بن الجراح ، وأبي معاوية ، وأبي الأحوص وشعبة بن الحجاج ، وآخرين كلهم يروي هذا الحديث من طريق الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن ابن مسعود رضي الله عنه.

استدلال البخاري على صيغة السماع

قال البخاري : وقال شقيق : عن عبد الله سمعت النبي صلى الله عليه وسلم كلمة. شقيق هو ابن سلمة ، وكنيته أبو وائل الكوفي ، أسدي، وهو مشهور بكنيته أكثر من اسمه. (عن عبد الله ) ابن من؟ وعبد الله هنا صحابي، إذا قال الكوفي: عن عبد الله فهو ابن مسعود ، وإذا قال المصري: عن عبد الله فهو ابن عمرو بن العاص ، وإذا قال المدني: عن عبد الله فهو ابن عمر ؛ لأن أحياناً يأتي الصحابي عبد الله ، فإذا أردت أن تعلم من هو عبد الله الصحابي هذا، فانظر إلى الراوي عنه، فإن كان كوفياً فهو ابن مسعود ، وإن كان مصرياً فهو عبد الله بن عمرو بن العاص ، وإن كان مدنياً فهو عبد الله بن عمر بن الخطاب . فهذا شقيق بن سلمة أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يره، فهو من المخضرمين، والمخضرمين هم: الذين أدركوا الجاهلية والإسلام. فقول البخاري : وقال شقيق : عن عبد الله : سمعت...، يريد البخاري أن يقول: كل هذا موصولٌ عند أهل العلم فإن عبد الله بن مسعود مرة يقول: حدثنا، ومرة يقول: سمعت، ولم يقل أحدٌ من أهل العلم: إن هناك فرقاً بين سمعت وحدثني، أي أن البخاري يريد أن يقول: حدثنا، وسمعت، بمعنى واحد. لكن لم يقع هذا اللفظ (سمعت) في صحيح البخاري ، إنما أورد المعلقات بالصيغ. البخاري يشير بهذا إلى حديثٍ أخرجه هو في عدة مواضع من صحيحه ، فأخرجه في كتاب الجنائز من طريق حفص بن غياث ، وأخرجه في كتاب التفسير من طريق أبي حمزة السكري - أبو حمزة السكري اسمه: محمد بن ميمون ، وإنما قيل له: (السكري ) ليس لأنه كان مريضاً (بالسكري). لا؛ سمي السكري لحلاوة كلامه، كان كلامه جميلاً، فقيل له: السكري لأجل ذلك، كما ذكر المزي وغيره في ترجمته، وهو مذكور -أظن- في: حلية الأولياء في ترجمة أبي حمزة . يقول: ما بلغني عن جاري أنه مرض قط إلا قوّمت نفقته في مرضه، وتصدقت بها أن الله عافاني مما ابتلاه به. مثلاً: كان إذا مرض جاره نظر كم أنفق على نفسه في ذلك المرض من علاج وأدوية... إلخ فيخرج ذلك المبلغ صدقة شكراً لله عز وجل أن عافاه مما ابتلى به جاره. والعلماء لهم كلام في التداوي : هل هو واجب أم مستحب أم مباح؟ الصحيح أنه ليس بواجب،أي أن الإنسان إذا مرض فترك التداوي اتكالاً على الله تبارك وتعالى -والله هو الذي يرفع العلة- فهذا جائز لا إشكال فيه؛ وذلك لأن أبا بكر رضي الله عنه ترك التداوي في مرضه. لكن إذا كانت هذه العلة تصده عن القيام بحق العبودية، فيجب عليه أن يتداوى، مثلاً: إذا لم يتداو فإنه لا يستطيع أن يصلي، وقال له أهل الطب: إنه إذا تداوى فإنه يشفى بإذن الله، فحينئذ يجب في حقه التداوي، إنما يترك التداوي لمن قوي قلبه وقوي توكله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) فتركوا الاسترقاء، وتركوا التداوي اتكالاً على الله تبارك وتعالى. وقد ثبت عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه لما سمع أحاديث في فضل الحمى، وأنها حظ المؤمن من النار؛ دعا على نفسه بالحمى، لكنه اشترط أن لا تصده عن جماعة أو جهاد يقول الرواي: فكنا نضع أيدينا على جبهته فنرى أثر الحمى، ومات بها رضي الله عنه، لماذا اشترط أن لا تصده عن جهاد أو عن جماعة؟ لأن حضور الجماعة وحضور الجهاد أفضل بكثير من أن يبتلى المرء بالحمى ويتخلف عن الجماعة والجهاد. فـأبو حمزة السكري ذكروا في ترجمته أيضاً: أنه بلغه أن جاره يبيع داره، والجار لما جاءه المشتري قال: أبيعك الدار بأربعة آلاف. فقال المشتري: ولم؟ قال: ألفان ثمن الدار، وألفان ثمن جوار أبي حمزة ! فلما بلغ أبا حمزة قوله: ذهب إليه، وقال له: لا تبع الدار، وأعطاه أربعة آلاف على أن لا يبيع داره.

المعلقات في الصحيحين وحكمها

إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. قال الإمام البخاري رحمه الله: (باب قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا). وقال ابن مسعود : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق. وقال شقيق : عن عبد الله : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم كلمة. وقال حذيفة : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين. وقال أبو العالية ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: فيما يرويه عن ربه. وقال أنس : عن النبي صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه عز وجل. وقال أبو هريرة : عن النبي صلى الله عليه وسلم: يرويه عن ربكم عز وجل. فالإمام البخاري رحمه الله بعدما ذكر فضل العلم، وذكر بعضاً من آداب طالب العلم، ثم ذكر الباب الثالث: من رفع صوته بالعلم، فأول باب عقده في هذا الكتاب -كتاب العلم- هو فضل العلم، حتى يكون كالحافز للطالب أن يطلب العلم. تكلمنا أنه بعد أن ذكر ما يشوق لطلب العلم، قام فنبهه إلى أن العلم له آداب وله سياسة، وهو ما يسميه العلماء: بأدب الطلب، ويقول العلماء: سياسة العلم أشد من العلم، وهي تعني: الحكمة في طريقة الأداء. فبعد أن يتأدب بأدب طالب العلم فينبغي عليه أن يبلغ هذا العلم الذي درسه. وأشار البخاري رحمه الله بالباب الثالث (باب من رفع صوته بالعلم) لأن رفع الصوت مظنة وصول الكلام إلى أكثر عدد، ومعناه: توصيل العلم إلى الناس مع التأدب بأدب العلم. في مرحلة الأداء، وفي مرحلة التلقي يسمع طالب العلم، فإذا أراد أن يؤدي العلم ويبلغه فبأي صيغةٍ يؤديه؟ الإمام البخاري عقد الباب الرابع لأجل هذا. قال: باب قول المحدث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا. ثم ذكر البخاري عدة معلقات في هذا الباب، الحديث المعلق أشرنا قبل ذلك إلى تعريفه وإلى صورته، فقلنا: إن الحديث المعلق هو ما حذف منه راوٍ أو أكثر، حتى لو شمل الإسناد كله، بشرط: أن يكون الحذف من مبدأ سنده ووصل إلى منتهاه، فالعلماء يسمونه: الحديث المعلق، وهو: ما حذف راوٍ أو أكثر من مصدر إسناده بشرط التوالي في الحذف. فالإسناد له طرفان: طرف علوي، وطرف سفلي. أو طرف أعلى، وطرف أدنى. فإذا كان السند متصلاً من أوله إلى آخره، فيسمى السند متصلاً. فلو قسمنا الإسناد إلى طبقات، والطبقات إلى مدة زمنية، فنقول مثلاً: قال البخاري : حدثنا أحمد بن حنبل ، قال: حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: … وساق حديثاً بهذا الإسناد، إذاً البخاري في إسناده هذا أحمد ، وسفيان بن عيينة ، والزهري ، وأنس ، فيكون إسناداً رباعياً، أي: بين البخاري وبين النبي صلى الله عليه وسلم أربعة، فهذا الإسناد متصل، فكل من أحمد ، وسفيان ، والزهري ، وأنس ، يمثل طبقة وكل طبقة تمثل مرحلةً زمنية. فالحديث المعلق: أن يحذف راوٍ من أوله، وقد يصل الحذف إلى الصحابي، وقد يصل إلى التابعي فقط، وقد لا يحذف إلا واحد من أول السند، هذا هو المعلق. فإسناد البخاري الذي يقول فيه: حدثنا أحمد بن حنبل لو أنه قام بحذف ذكر الإمام أحمد من الإسناد. وقال البخاري : وقال سفيان بن عيينة : إذاً حذف من؟ حذف أحمد من الإسناد، إذاً سنحذف المدة الزمنية من الإسناد فيكون الإسناد معلقاً.

كثرة إيراد البخاري للمعلقات في صحيحه وغرضه من ذلك

الإمام البخاري رحمه الله يعلق كثيراً في صحيحه ، بخلاف مسلم، فالأحاديث المقطوعة الإسناد في صحيح مسلم في أربعة عشر موضعاً تقريباً، بينما في صحيح البخاري في عشرات المواضع، أو في مئات المواضع. البخاري رحمه الله عندما يعلق الحديث، هو بذلك يريد أن يمهد للحديث المرفوع، الذي أورده موصولاً في هذا الباب. إن البخاري تصدى لاستنباط الأحكام الجزئية من الأدلة التفصيلية، بخلاف الإمام مسلم ؛ الإمام مسلم صنف صحيحه على الكتب، ولم يصنفه على الأبواب، فلم يقل: باب كذا، باب كذا. لا، مسلم لم يفعل هذا، إنما بوّبه جماعة، وأشهر من بوب صحيح مسلم وانتشر تبويبه، هو الإمام النووي رحمه الله، أي: أن التبويب الموجود في صحيح مسلم ليس من صنع مسلم ، وإنما من صنع النووي ، إنما مسلم -كما قلنا- قسم صحيحه إلى كتب فقط، مثل: كتاب الإيمان، كتاب الصلاة، كتاب الطهارة، كتاب الحج، كتاب الغسل، كتاب التيمم، ... إلخ. البخاري رحمه الله قسم صحيحه إلى كتب، وقسم الكتب إلى أبواب، وتصدى لاستنباط الأحكام الجزئية من الأحاديث، فإذا استنبط الإمام البخاري رحمه الله حكماً من الأحكام فإنه يبوب له، ثم يأتي بالأحاديث المعلقة، أو الآثار المعلقة بين يدي الحديث المسند في هذا الباب؛ يمهد لفكرته ورأيه. ونستفيد من هذا ما قاله الإمام أحمد : (لا تقولن بقولٍ ليس لك فيه إمام) عندما تحب أن تتبنى قولاً من الأقوال، فاحذر أن تقول قولاً لم يكن قد قاله غيرك من العلماء، لاسيما في هذه الأزمان المتأخرة؛ لأنك عندما تأتي بقول لم يقل به أحد غيرك على الإطلاق، وتزعم أنه الحق، فمعنى هذا باختصار: أن كل من سبقك ضل طريق الحق، وأنت وحدك الذي عرفته، هذا معنى: لا تقل قولاً ليس لك فيه إمام. فالإمام البخاري كان إذا تبنى قولاً من الأقوال فإنه يذكر من سبقه -لا أقول: على سبيل الاستيعاب، فـالبخاري لم يستوعب أقوال من سبقه- ولكن يذكر بعض أقوال من سبقه في هذا القول، لكنه يحذف إسناده؛ حتى لا يعظم حجم الكتاب، وإلا فـالبخاري عنده أسانيد المعلقات كلها، لكنه صنف كتابه وسماه "الجامع المختصر الصحيح" فلو ذكر أسانيده إلى الصحابة أو إلى التابعين أو إلى من دون التابعين لعظم حجم الكتاب.

صيغتا التعليق عند البخاري

فلذلك هو يعلق بطريقتين: إما أن يعلق بصيغة الجزم، أو بصيغة التمريض. صيغة الجزم: أن يكون الفعل الذي استخدمه البخاري في نسبة القول إلى قائله مبنياً للمعلوم، كأن يقول: قَال، وذَكر، وحَكَى. صيغة التمريض: أن يكون الفعل مبنياً للمجهول: قِيلَ، حُكِي، ذُكِر. فـالبخاري رحمه الله في هذا الباب، أتى بالأحاديث والآثار المعلقة بصيغة الجزم. قال العلماء: كل معلقات البخاري التي جزم فيها بنسبة القول إلى قائله صحيحة. الجزء الثاني، وهو: ما علقه بصيغة التمريض، فبعض الناس يقول: إن البخاري إذا مرّض القول، فهذا قد يكون ضعيفاً. وهذا ليس بشرط، فمعلقات البخاري بعضها ضعيفة، لكنها قليلةٌ جداً، في موضع أو موضعين في كتابه كله، وشخص يقول: هل صحيح البخاري بهذا يكون فيه أحاديث ضعيفة؟ نقول: لا؛ لأن صحيح البخاري هو الأحاديث المسندة، أما الأحاديث المعلقة فليست على شرط البخاري ، لأجل هذا إذا روى البخاري في صحيحه بياناً معلقاً وحدثت به فلابد أن تقيد العزو إلى البخاري بالتعليق، مثلاً: لو قال البخاري : قال الحسن البصري : (صلوا وعليه بدعته) كما في باب إمامة المفتون والمبتدع. فهذا الحديث معلق في البخاري، أنت تريد أن تنسب هذا الكلام إلى البخاري ، فلا تقل: رواه البخاري وتسكت؛ لأن هذه خطيئة عند العلماء، بل لا بد أن تقول: رواه البخاري معلقاً. لابد أن تذكر كلمة: (معلقاً)، لماذا؟ لأن المعلقات ليست كلها على شرط البخاري ، فمنها ما هو على شرط البخاري ، ومنها ما ليس على شرط البخاري ، ولكنها لا تدخل من جملة الكتاب؛ لأن صحيح البخاري هو جملة الأحاديث المسندة التي أسندها البخاري إسناداً متصلاً قال فيها: حدثنا فلان عن فلان إلى آخر السند. وكذلك الإمام مسلم له مقدمة مهد بها لـصحيحه ، وهذه المقدمة ليست على شرط مسلم ، فإذا أورد مسلم الحديث في هذه المقدمة، وأردت أن تعزو الحديث إلى مسلم ، فلا بد أن تقول: أخرجه مسلم في المقدمة، ولا تقل: أخرجه مسلم، وتسكت، لماذا؟ لأن في هذه المقدمة أحاديث ليست على شرط مسلم . إذاً: علمنا أن البخاري رحمه الله يأتي بالمعلقات ليمهد لأحاديث الباب، ويمهد لفكرته ورأيه في المسألة كما فعل هنا، وكما فعل في بداية أبواب كتابه. فأنت الآن مني، وتريد أن تؤدي القول عني إلى الناس، فكيف تنقل القول عني؟ هل تقول: حدثني، أم تقول: أخبرني، أم تقول: أنبأني، أم تقول: سمعت، أم تقول: قال لي؟ أي صيغة من هذه الصيغ تستخدمها إذا نقلت الكلام عني إلى الناس؟ أنت الآن في وقت التحمل -التحمل: هو أن تسمع مني وتحفظ، للتحمل والأداء بعد ذلك- كما قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا [الجمعة:5] حمل، يعني: أخذ العلم فحمله. أنت الآن تلميذ، بعد مدة قد تصير شيخاً، ولك تلاميذ، فإذا أردت أن تنقل العلم عن شيوخك إلى الناس بعدما صرت شيخاً، فماذا أنت قائل في النقل؟ بأي صيغة من الصيغ تنقل هذا العلم؟ أتقول: حدثني، أم أخبرني؟! فـالبخاري رحمه الله عقد هذا الباب لأجل أن يقول لك: بعد أن سمعت فضل العلم، وتأدبت بآداب طالب العلم، وتحملت العلم وأخذته عن الشيوخ، إذاً حان وقت الأداء.

كيفية الحكم على الإنسان بالظاهر وأهمية القرائن في ذلك

أنا قلت في خطبة الجمعة كلاماً مجملاً، وهذه المناسبة لتفصيله، مسألة رعاية قرائن الأحوال حتى للحكم، قلت: إن الذين يتكلمون في السنة والصحابة غير معصومين، وفي قلوبهم غش، فمعروف أن أعمال القلوب لا يطلع عليها إلا الله، نحن كبشر لا يجوز لنا أن نقول: فلان في قلبه كذا، أو مخلص أو غير مخلص، أو غاش للمسلمين، أو في قلبه مرض، هذا لا يجوز، لكن يجوز لنا أن نحكم بهذا إذا رأينا من القرائن الظاهرة ما تدل على ما في القلب. حديث مالك بن الدخشن ، أو الدخشن أو الدخشن كلها صحيحة، عندما قال عتبان بن مالك للنبي صلى الله عليه وسلم: (إنه قد ضعف بصري فتعال صل في بيتي حتى أتخذه مسجداً، فقال: سأفعل إن شاء الله، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه إلى بيت عتبان بن مالك ، فدخل فلم يجلس، فقال: أين تحب أن أصلي من بيتك؟ قال: في هذا الموضع، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فالصحابة يكلموا بعضهم فقال قائل: أين مالك بن الدخشن ؟ قال آخر مجيباً: ذاك منافق، ودَعَوا عليه، وقالوا: لو يدعو عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهلك، ونخلَص منه، ذاك منافق لا نرى وده إلا للمنافقين، ولا نصحه ولا وجهه إلا للمنافقين، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته فقال لهم: لا تقل له ذلك: ألا تراه قد قال : لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله؟ -انتبه لهذا الكلام- ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله ؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، إنما نرى وجهه ونصيحته للمنافقين)، من الذي قال: (يبتغي بها وجه الله)؟ هل لامهم وأنكر عليهم وقال لهم: لماذا قلتم إنه منافق؟ لا. عذَرهم ولم يعنِّفهم، فدل ذلك على صحة نظرهم، وأن الرجل إذا كان وده للمنافقين، ويمشي دائماً مع المنافقين، وكذلك لو أن شخصاً يبيع الخمر في محل، وتجد شخصاً دائماً معه في المحل، ويقول له: إن المحل لا بد أن تعيد ترتيبه وتصليحه فأنا سأحضر لك أفضل أصحاب المِهَن، وسأحضر لك البضاعة بأرخص الأسعار، ويجلس يضحك معه، وطوال اليوم في المحل، أهذا الرجل جيد؟ ولا أحد منا سيقول: إن هذا الرجل مخلص.. أبداً. إذاً النبي صلى الله عليه وسلم وحده؛ لأنه رسول الله ويعلم بالوحي، ولذلك قال: (إنه يقول لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله)، ولم يعنّف الصحابة؛ لأنهم علقوا الحكم على ما ظهر من حال مالك بن الدخشن ، إن وده للمنافقين، ووجهه ونصيحته للمنافقين، ونحن لا نحكم إلا بالظاهر، فالذي ظهر لنا أنه مع المنافقين، لا يمكن أن يكون هناك شخص في قلبه إخلاص لله ورسوله، وهو يلقي بالود إلى أهل النفاق أبداً، إلا أن يكون جاهلاً إن هذا منافق. أما أن يعلم أنه منافق ويذهب يلقي له بالمودة والمساعدة والكلام ويصاحبه ليل نهار، فهذا لا يكون مخلصاً، ولا يكون محباً للمؤمنين. إذاً الذي حكم على ما في قلب مالك بن الدخشن هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه ما أنكر على الصحابة، لماذا؟ لأنهم علقوا الحكم على ما ظهر من الأمارة والقرينة. إذاً رعاية القرائن والأحوال من المسائل المهمة، ويجوز لنا أن نعلق الحكم على ما يظهر من القرينة، ومثل حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه، وأن أبا هريرة رضي الله عنه قال: (كنا قعوداً حول رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا، فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا، وفزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتيت حائطاً للأنصار لبني النجار، فدرت به أجد له باباً فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة -والربيع الجدول- فاحتفزت كما يحتفز الثعلب فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أبو هريرة ! فقلت: نعم يا رسول الله! قال: ما شأنك؟ قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقطع دوننا ففزعنا، فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي، فقال: يا أبا هريرة ! وأعطاني نعليه، قال: اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة، فكان أول من لقيت عمر فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة ؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثديي فخررت لأستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة ، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجهشت بكاءً، وركبني عمر فإذا هو على أثرى، فقال لي رسول الله عليه وسلم: ما لك يا أبا هريرة ؟ قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لأستي، قال: ارجع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر ! ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: نعم، قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فخلهم). أبو عوانة صاحب: المستدرك على صحيح مسلم ، يرى أن هذه خاصة بـعمر بن الخطاب ، لأن أبا هريرة لم يلق إلا عمر ، إذاً كأن هذه بشارة أن عمر قلبه مستيقن بالإيمان، فهذه قرينة، إذاً القرينة أنه لم يلق إلا عمر فعلق الحكم عليه. وكذلك ما رواه أبو داود (أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه خرج، فكان هناك جماعة جلوس على الباب فقاموا، فقال لهم: اجلسوا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سره أن يتمثل الرجال له قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، فكلمة: سرّه، أليس السرور أمر قلبي؟ فكيف نحكم إذاً على سرّه أو ضرّه؟ ننظر لقرائن الأحوال، مثل أن يدخل الفصل أستاذ، فإذا بالطلاب قيام، وإذا بقي طالب لم يقم، وقال له: تعال يا قليل الأدب! وهات ولي أمرك، وأعطاه لفت نظر، وما إلى ذلك، أهذا غضِبَ أم لا؟ أهذا يسره أن يتمثل الرجال له قياماً أم لا؟ فهو لما غضِب أن طالباً لم يقم له ساغ لنا أن نعلق الحكم بهذه القرينة أن قلبه يُسر بذلك، لا يعني أننا مطلعون على أعمال القلوب، لا، لا نحكم على ما في القلب، ولكن نلاحظ قرائن الأحوال ويسوغ لنا أن نعلق الحكم بالقرينة. لا يأتي شخص ويقول: إن أبا هريرة كان يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا أطعمته -كما يقول الشيعة- يكذب لك، والمسألة هذه أظهرها محمود أبو رية ، والطيب صالح أبو بكر ، وأحمد صبحي منصور ، وهؤلاء هم الطابور الخامس، هذا الذي ابتلي المسلمون به، يقول لك: إن أبا هريرة هذا كان رجلاً مزاحاً، وغير ذلك من الافتراءات، هل يقول هذا رجل في قلبه حب للصحابة؟! أنا أذكر لك كلام الإمام مالك رحمه الله لما بلغه أن جماعة يطعنون في الصحابة قال: هؤلاء قصدوا أن يطعنوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنهم لم يجرءوا على ذلك، فطعنوا في أصحابه، حتى يقول الناس: هو رجل سوء، لأنه لو كان رجلاً خيراً لقيّض الله له رجال خير. إذاً كأن الذي يتكلم في الصحابة أراد رسول الله لكن لا يستطيع أن يقول الذي في قلبه، الذي يتضور غيظاً على الصحابة كالرجل الذي كتب: الصحابة في مجتمع يثرب، ويتكلم عن الصحابة والجنس وغير ذلك من الكلام التافه، وأن حياة الصحابة كانت كلها نساء!! كل أحاديثهم: هل تزوجت فلانة؟! ما رأيت فلانة أو عِلاّنة؟! وأن حياتهم كلها كانت جنابة! حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم اضطر -لاحظ الكلام- أن يسمح لهم أن يمروا في المسجد جنباً، لماذا؟ لأنهم جُنب باستمرار، فتخيل هذا الشخص المأفون عندما يقول هذا الكلام على الجيل الذي مُكِّن له بإذن الله، وصنع دولة في عشر سنوات فقط، عشر سنوات فقط!! لا نعلمها لأي جيل من لدن آدم عليه السلام حتى الآن، هل علمتم جيلاً في عشر سنوات كَوَّن دولة، وصاروا يرعبون فارس والروم؟! هذا هو جيل الصحابة، فتخيل عندما يأتي شخص ويتكلم بهذا الأسلوب عن الصحابة، معنى ذلك أن هذا الرجل في قلبه غِلٌ، كيف نعرف أن في قلبه غلاً؟ هل فتحنا قلبه وعرفناه؟ لا، نظرنا إلى كلامه: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد:30] يتغامزون بالمؤمنين ويستهزئون بهم، فهذه قرينة يسوغ لنا أن نعلق الحكم عليها، وأن نحكم على ما في صدر هؤلاء المستهزئين. فلما جيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالجمّار، فابن عمر فهمها وظن أنها النخلة، وبهذا تتم هذه الفائدة، وهي أنه ينبغي على الطالب أ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://hamykaly113.skyrock.com
rama88
 
 
avatar

عدد المساهمات : 892
تاريخ التسجيل : 16/01/2011
العمر : 29
الموقع : منتدى المدية

مُساهمةموضوع: رد: شرح كتاب العلم من صحيح الإمام البخاري لفضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني13   الأربعاء 11 مايو 2011 - 12:25

thanks thanks thanks thanks thanks
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
شرح كتاب العلم من صحيح الإمام البخاري لفضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني13
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المدية :: - دينــــــــــي الحنيــــــــف - :: المنتــدى الإسلامـــي-
انتقل الى: