منتدى المدية
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى, و شكرا.
إدارة المنتدى

منتدى المدية
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى, و شكرا.
إدارة المنتدى

منتدى المدية
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.



 
الرئيسيةالبوابةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 فلسفة العلوم -- في العلوم الإنسانية و العلوم المعيارية --

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المديـر
 
 
المديـر


الرتبة
عدد المساهمات : 994
تاريخ التسجيل : 06/01/2010
العمر : 34

فلسفة العلوم -- في العلوم الإنسانية و العلوم المعيارية -- Empty
مُساهمةموضوع: فلسفة العلوم -- في العلوم الإنسانية و العلوم المعيارية --   فلسفة العلوم -- في العلوم الإنسانية و العلوم المعيارية -- Emptyالإثنين 22 فبراير 2010 - 2:31

فلسفة العلوم
المشكلة الرابعة :
في العلوم الإنسانية و العلوم المعيارية
تمهيد :
إن التقدم و التطور الذي حققته الدراسة التجريبية , و ما أحرزته من نتائج في علوم المادة الجامدة , جعل منها نموذجا لكل معرفة تسعى لتحقيق الدقة و الموضوعية , خاصة بعد اقتحام هذا المنهج التجريبي , ميدان البيولجيا , و تدليل عقباتها مما شجع على توسيع نطاق بحثه , وطرح إمكانية تطبيقه على ميدان آخر , هو عالم الظواهر الإنسانية , فهل هذا ممكن , وما هو حدود ذلك ؟
قبل الاستعجال في الإجابة عن هذا السؤال , هناك مفاهيم وجب ضبطها , و التمييز بينها :
1 ـ التمييز بين العلوم الإنسانية و العلوم المعيارية :
إن العلم التجريبي بكل أصنافه , لا يدرس إلا ماهو كائن و ما هو موجود فعلا , و يمكن فحصه و التأكد منه , و ما يترتب على ذلك من نتائج , و من هنا كان لا بد التمييز بين العلوم الإنسانية و العلوم المعيارية .
أ ـ مفهوم العلوم الإنسانية :
 الإنسانية : تدل على ما اختص به الإنسان من صفات .
 و العلوم الإنسانية : هي العلوم الذي تهتم بدراسة الواقع الإنساني و حوادثه المختلفة , و علاقاته و اتجاهاته و ما تحمله من أبعاد فردية أو جماعية , بغرض فهمها , و تفسيرها سببيا .
 و تسمى بالعلوم المعنوية , لأنها تبحث في أحوال الناس و سلوكهم أفرادا كانوا أو جماعات .
 و موضوع دراسة العلوم الإنسانية هو الإنسان , و كل ما يصدر عنه من أنواع السلوك , و علاقات و فعالياتها المختلفة و ما يترتب عنها من نتائج .
 فالعلوم الإنسانية إذا تهتم بدراسة ما هو كائن كوقائع إنسانية يمكن التحقق منها , و ضبط طبيعتها تجريبيا , كالأبعاد النفسية , بانفعالاتها , و سلوكاتها , و الأبعاد الاجتماعية و علاقاتها , و الأبعاد التاريخية , و الأنتروبولوجية...
ب ـ مفهوم العلوم المعيارية :
 المعيار : عند المنطقيين نموذج مشخص , أو مقياس مجرد لما ينبغي أن يكون عليه الشيء .
 (( فالعلوم المعيارية هي العلوم التي تهتم بوضع المعايير و المقاييس التي تحدد ما يجب أن يكون عليه الشيء , أو السلوك , أو التفكير )) , فهي لا ترضى بما هو كائن , بل تطلب ما يجب أن يكون , لهذا يعرفها
 "ووندت " : (( العلوم المعيارية هي العلوم التي تهدف إلى صوغ القواعد و النماذج الضرورية لتحديد القيم )),
 كالمنطلق , و علم الجمال , و الأخلاق .
 و يمكن تسمية العلوم المعيارية بالعلوم الإنشائية .
 و موضوع هذه العلوم هو دراسة القيم , و وضع المقاييس و القواعد التي تفهم على ضوئها , ففي المنطلق و معياره الحق و يبحث في القواعد التي ينبغي أن يكون عليها التفكير الصحيح , و في علم الأخلاق , و معياره الخير و يبحث في النموذج المثالي الذي يجب أن يكون عليه السلوك الإنساني .
و علم الجمال , و معياره الجمال , و يبحث في وضع الأسس و المقاييس التي يمكن التمييز و الحكم بها عن الجمال و القبح .
و من هنا يمكن القول إن العلوم الإنسانية و العلوم المعيارية يلتقيان في أن جوهر موضوعهما واحد : هو الإنسان .
 لكنهما يختلفان , و يتميزان كليا من حيث تناول الموضوع و الطريقة دراسته و التعامل المنهجي معه .
 فالعلوم الإنسانية تدرس ما هو كائن , و موجود , كواقع يمكن ملاحظته و التثبت منه بالفعل .
 أما العلوم المعيارية فتدرس ما يجب أن يكون و تحديد المعايير المثالية للحكم .
2 ـ طبيعة الموضوع في علم الإنسانية و عوائق تطبيق التجربة :
أ ـ طبيعة الظاهرة الإنسانية :
إن الظاهرة الإنسانية عالم مستقبل و ميدان خاص يتفرد بميزات و خصائص تجعله يختلف عن غيره من الميادين تماما .
فالظاهرة الإنسانية ذات طابع معنوي من الصعب قياسها و التعبير عنها كميا .
إنها ذاتيا تحمل أنا خاصا و فردانية متميزة , و يحكمها قصد هادف , واع بأبعاده , و توجيهها قيم و معايير .
إنها تحمل امتداد متداخلة بين ما هو نفسي و ما هو مادي و ما هو فردي و ما هو اجتماعي .
أنها ظاهرة لا ثبات و لا استقرار لها , لأن التغيير صفة ملازمة لوجودها, فهي طبيعيا تنمو دائما , و معنويا تحمل حرية اختيار , ومسؤولية توجيه .
و ظاهرة بكل هذه الخصائص من الصعوبات البالغة تشكيلها مخبريا , أو إخضاعها لمقياس التجريب , و استحالة التنبؤ بها , و بردود أفعالها .
و هذا يعني أن هذه المميزات تعبر عن عقبات حقيقية أمام العمل التجريبي , و لتوضيح هذه العوائق أكثر نحاول أن ننظر إلى الظاهرة الإنسانية من أبعادها الأساسية .
ب ـ عوائق تطبيق التجربة في العلوم الإنسانية :
a ـ عوائق الحادثة التاريخية :
بدايتا يمكن أن نعرف التاريخ بأنه : ((العلم الذي يدرس الحوادث البشرية الماضية )) .
لكن الحديث عن عملية التاريخ , يقتضي الحديث عن العوائق و العقوبات التي تقف أمام دراسته تجريبيا , منها: إن الحادثة التاريخية يعتذر ملاحظتها مباشرة , لأنها حوادث ماضية , تم وقوعها , لا يمكن تكرارها , لأنها حوادث فريدة من نوعها , لها إطار الزماني , و المكاني و الاجتماعي الذي حدث فيه .
تعذر إجراء و بناء التجارب على الماضي , و استحالة العودة إلى الوقائع نفسها , مما يعني انعدام أداة التحقق و التأكد من الحوادث , مما يجعل من القوانين مجرد افتراضات لا دقة ولا يقين فيها .
تجميع و إعادة بناء الحوادث التاريخية الماضية تخضع لذاتية الباحث و اتجاهاته و عقيدته و انتمائه , و تأثير روح عصره في أحكامه ,مما يفقد الدراسة روح الموضوعية , و يجعلها عرضة لتقلب الأهواء , و إيديولوجية المؤرخ .
فهل يمكن تجاوز هذه العوائق في دراسة الحادثة التاريخية ؟
b ـ عوائق الظاهرة الاجتماعية :
وهي ظواهر يعني بدراستها(( علم الاجتماع )) الذي يعرَف بأنه (( العلم الذي يدرس الحوادث الاجتماعية ))
بهدف اكتشاف القوانين التي تخضع لها حياة المجتمعات ,و حياة الأفراد في المجتمع .
و لقد واجه التجريب في الظاهرة الاجتماعية كثير من العوائق منها :
إن الظاهرة الاجتماعية ظاهرة مركبة تتداخل فيها أبعاد الإنسان المختلفة : النفسية و الفكرية و السياسية و الدينية و الاقتصادية و حتى البيولوجية و البيئية و هذا يصعب من تحديد هذه الظاهرة .
إنها ظاهرة من الصعب التحكم في المواقف الاجتماعية و السلوكية التي تشكلها , نتيجة تعدد الأسباب و العلل التي تحكمها و توجهها .
كما أن الظواهر الاجتماعية لا يمكن تناول حقائقها كأشياء , يمكن إخضاعها لمنطق الانعكاس الشرطي بين الفعل و رد الفعل , أو لحتمية ضرورية واضحة , لأنها ظواهر كيفية تتغير صورها باستمرار .
إن الظواهر الاجتماعية فردية و فردية في نوعا و هي ترتبط بزمان و مكان معين و تتحدد بطبيعة الجماعة , كما أن المصطلحات نعبر بها عنها تكون لينة و مطاطة و حمالة لأوجه متعددة , مما يفقدها الدقة في التعبير عن حقائقها و نتائجها .
الظاهرة الاجتماعية بحثها يدور حول الإنسان و المجتمع , و تفسير حقائقها يتأثر حتما بآراء الباحث لها .
و أفكاره و إيديولوجيته , و ربما توجيه تفسيره , و تقييمه لها لأغراض معينة شخصية أو سياسية , مما يجعلها دراسة متحيزة و ذاتية و فاقدة للمصداقية و الموضوعية : (( لأنه من الصعب أن نكون موضوعيين , في مجال يمثل الجانب الذاتي من الحيات )) .
فكل هذه الصعوبات تقف أمام دراسة الوقائع الاجتماعية و إخضاعها لمقياس التجريب .
c ـ عوائق الحادثة النفسية :
الحوادث النفسية و هي التي يعني بدراستها , علم النفس أو ( السيكلوجيا ) للكشف عن قوانينها , من خلال مظاهرها و أفعالها القابلة للملاحظة و التحليل و التفسير الوضعي , بعيدا عن النفس كجوهر ميتافيزيقي .
و قد واجهت الدراسة التجريبية للظواهر النفسية صعوبات بالغة , شكلت عوائق أمام تطبيق المقياس التجريبي عليها منها :
إن الحادثة النفسية معنوية شعورية , لا يمكن تحديدها في حيز مكاني معين , و هي متغيرة باستمرار عبر أحوال الشعور ,من هنا يصعب ملاحظتها بدقة , و تعذر التجريب عليها .
إنها حادثة كيفية يمكن وصفها فقط ولا يمكن قياسها و التعبير عنها بلغة الكم و التقدير , و هذا ما يفقدها الدقة و الضبط .
أنها حادثة حدسية ذاتية لا يمكن أن يعرفها أو يعبر عنها إلا صاحبها مباشرة .
إنها فريدة في نوعها , متميزة , لا تقبل التكرار على نفس الحال , حتى وإن أراد صاحبها ذلك .
إذن : كل هذه العوائق النفسية و الاجتماعية و التاريخية في ميدان العلوم الإنسانية شكلت عقبات معينة في وجه الدراسة التجريبية و البحث عن العلمية في حقل الظواهر الإنسانية .
فكيف السبيل إلى تجاوزها ؟
ج ـ تجاوز العوائق و إمكانية التجريب في العلوم الإنسانية :
إن تطور المنهج التجريبي و تقنياته : و تكييف خطواته مع طبيعة الموضوعات , قد فتح المجال أمام العلوم الإنسانية و قدرتها على استخدام المنهج التجريبي , و النظر إلى ظواهرها على أنها محكومة بقوالب و قوانين محددة , يتفاعل فيها الفرد و المجتمع سلوكيا .
إضافة إلى ظهور إبداعات و اجتهادات في طرائق العمل و أساليب البحث في الملاحظة و بناء التجارب و ملائمتها مع طبيعة الموضوع في العلوم الإنسانية , بل الأكثر من هذا محاولة وضع القوانين , وصياغتها رياضيا , قصد التمكن من التنبؤ بمستقبل الظواهر الإنسانية , كل هذا عبر عن تقدم حصل في العلوم الإنسانية , و أعطا وجها مشجعا لدراستها و مشروعيتها العلمية , و تجاوز عقبتها , نذكر من أهم هذه الميادين :
a ـ تجاوز العوائق في التاريخ :
إن دراسة الحادثة التاريخية و فهمها من مقياس تجريبي ينطلق من تناولها من خلال الآثار و الوثائق و المصادر التي تعبر عنها .
النظر إلى الحادثة التاريخية على أن لها أسبابها الاجتماعية و النفسية و ظروفها الطبيعية التي وقعت فيها
القدرة على إمكانية إحياء الحادثة التاريخية من خلال آثارها و مصادرها .
تحديد بداية الحادثة التاريخية من خلال النظر إليها على أنها أحداث في حلقة مترابطة و متسلسلة , نأخذ بأقربها إلى الموضوعية .
الأخذ بالمفهوم و المعنى الواسع للتجربة حتى تنسجم مع طبيعة الحادثة التاريخية و تلاؤمها .
و قد كان العلامة " عبد الرحمان ابن خلدون " سباقا في وضع الأسس المنهجية للدراسة التجريبية للحادثة التاريخية و تدليل عقباتها , و تبعه في ذلك علماء أوربيين أمثال " فيكو " الإيطالي , و "رينان" الفرنسي و غيرهم .
و يمكن تلخيص خطوات المنهج التاريخي فيما يلي :
 مرحلة جمع الآثار و المصادر إرادية كانت ( مباشرة ) أو غير إرادية ( غير مباشرة ) .
 مرحلة تحليل المصادر و التحقق منها , و نقدها نقدا خارجيا ( ظاهر ) أو نقدا باطنيا ( المضمون ), ((لأن كل المصادر و الآثار تبقى مدانة و متهمة إلى أن تثبت العكس .
 مرحلة تركيب الحادثة التاريخية و إعادة بنائها عن طريق تصنيفها و ترتيبها زمنيا .
 مرحلة التفسير و الكشف عن الأسباب التي أدت إلى وقوع الحادثة و تبيان قيمتها التاريخية .
b ـ تجاوز العوائق في علم الاجتماع :
إن فهم الظواهر الاجتماعية و دراستها تجريبيا و تجاوز عقباتها , قد ظهرت ملامحها بوضوح مع عبقرية (ابن خلدون)في كتابه " العبر " و قد سمى هذا النوع من العلم : "بعمران العالم "
ثم جاء الفرنسي "أوجست كومت" زعيم الفلسفة الوضعية , الذي أعطى دفعا كبيرا للدراسة الاجتماعية , و يعتبر أول من استخدم كلمة علم الاجتماع , وكان يريد أن يسميه في بداية أمره : "الفيزياء الاجتماعية " , وكتب يقول : (( لنستكمل نسق معرفتنا بالطبيعة , وإنني أعني بالفيزياء الاجتماعية العلم الذي تكون دراسة الظواهر الاجتماعية فيه , موضوعية , على أن ينضر إلى هذه الظواهر بنفس الروح التي ينظر بها إلى الظواهر الفلكية أو الطبيعية )) .
و قد دعم هذا التوجيه "إمل دور كايم" , الذي عمل على فهم الحقيقة الاجتماعية و دراستها تجريبيا : (( من جهة دراسة البناء الاجتماعي , و دراسة الوظائف التي يؤديها هذا البناء في أجزائه و كلياته )) .
و هذه الدراسة التجريبية لا تكون إلا بتحديد الظاهرة الاجتماعية و العوامل التي تتحكم فيها : وهذا ما شرحه "دور كايم" في كتابه : (( قواعد المنهج في علم الاجتماع )) .
 إن الظاهرة الاجتماعية "تلقائية" لم يخلقها الفرد , بل يولد الفرد ويجد مجتمعا كاملا أمامه , وعليه أن يخضع لنضمه الخاصة .
 إنها ظاهرة "جبرية قاهرة" ملزمة للأفراد و الجماعات على السواء ومن ينحرف بسلوكه عنها يتعرض للجزاء .
 إنها تتصف بالعمومية أي "عامة" توجد في كل إبعاد المجتمع و تواجده و هذا ما يمكن من اكتشاف الحقائق العامة .
 إنها ظواهر مستقلة عن الأفراد , بحيث يمكن ملاحظتها منفصلة عن الحيات الخاصة للفرد , لأنها جماعية و من هنا يمكن دراستها دراسة موضوعية , على أنها أشياء , مثال ذلك تطبيق المنهج الإحصائي في عدها و قياسها ... .
و انطلاقا من هذا التحديد يمكن التعامل مع الظاهرة الاجتماعية كظاهرة قابلة للدراسة التجريبية , يمكن ملاحظتها و وضع الفروض , و التأكد بالتجربة كجسم للنتيجة , و الوصول إلى صياغة القوانين , و مثال ذلك : قانون "وارد" الذي يقول : (( أن الأفراد يبحثون عن أكبر كسب بأقل مجهود )) و قانون "دور كايم" حول الانتحار الذي يقول : (( أن الميل الشخصي إلى الانتحار يزداد مع قلة الروابط التي تربط الفرد بالمجتمع ))
c ـ تجاوز العوائق في علم النفس :
يعتبر علم النفس من أواخر العلوم التي استقلت عن الفلسفة , و سعت للبرهنة عن نفسها كعلم مستقل بموضوعه و يمكن دراسته بمقياس تجريبية تتجاوز العوائق النفسية .
و قد كانت البداية الحقيقية لهذا التأسيس مع أعمال رواد علم النفس الحديث و من أشهرهم "فيخنر" و "ووندت"
الذي كان له الفضل في إنشاء أول "مخبر تجريبي لعلم النفس" في ألمانيا .
لكن "ووندت" كان يعتقد أن المنهج التجريبي لا يمكن أن يكون منهجا لدراسة جميع مواضيع علم النفس , إلى أنه كان يؤكد بالرغم من ذلك في إمكانية دراسة المواضيع النفسية – دراسة موضوعية .
و قد أعطى "جون واطسن" دفعا قويا لهذه النظرة السلوكية , التي تهتم بفهم النفس الإنسانية انطلاقا من دراسة الأفعال السلوكية التي يقوم بها الإنسان كاستجابات لمؤثرات و منبهات بيئية . و قد استفاد "واطسن" من تجارب "بافلوف" و جعلها مفتاحا للدراسة المخبرية و المعالجة الإحصائية للبيانات , و استعمال الأجهزة الكهربائية لدراسة المنبهات في التأثير على السلوك الإنساني .
و قد كان هذا الاتجاه السلوكي كرد فعل للبداية الحديثة في علم النفس التي كانت تعتبره "علم الشعور" , بزعامت "ديكارت" الذي يرى إن الشعور هو أساس الأحوال النفسية و ما يجري فيها من أفكار , و نزعات وانفعالات ... وهذا ما يسمى بعلم النفس الشعوري .
يقول "جون واطسن" : (( إن علم النفس كما يرى السلوك , فرع موضوعي و تجريبي محض من فروع العلوم الطبيعية , هدفه النظري التنبؤ عن السلوك و ضبطه ... و يبدو أن الوقت قد حان ليتخلص علم النفس من كل إشارة إلى الشعور )) .
و من هذا تتعدد المناهج و النماذج التفسيرية للحادثة النفسية لكن جميعها يهدف إلى تجاوز العوائق و بلوغ الدراسة الموضوعية التي تؤسس لعلم النفس كعلم مستقل , و هذا ما أدى إلى تشعب ميادين الدراسة في علم النفس ( علم نفس طفل , الاجتماع , النفسي , الحيوان ... ) .
3 ـ قيمة العلوم الإنسانية وعدم دقة النتائج :
أ ـ عدم دقة النتائج وقصورها :
إن الهدف الذي قامت من أجله العلوم الإنسانية بوجه عام , هو الكشف عن الأسباب و الشروط الموضوعية التي تتحكم في الإنسان و صياغتها في شكل قوانين , غير أن هذا الهدف لم يتحقق سواء في التاريخ أو علم النفس أو في علم الاجتماع , و بقت النتائج المتوصل إليها بعيدة عن الدقة و الضبط و الموضوعية .
إن النتائج في العلوم الإنسانية و مهما قيل عنها فإنها لا تزال تعاني من التحيز و تأثير الذات الباحثة عليها و الخضوع لكثير من الدوافع و القيم و المواقف الاجتماعية , و من هنا لم تصل إلى تحقيق مبدأ فصل الذات العارفة عن الموضوع المدروس .
إن النتائج المتوصل إليها في حقل العلوم الإنسانية سواء في علم النفس أو التاريخ أو علم الاجتماع , تعاني كلها من اختلاف النتائج و تعدد القوانين و كأن ليس لها أساس مشترك أو قاعدة تعود إليها , و هذا ما تبلور في تعدد التفاسير لظاهرة واحدة , وتعدد المناهج .
كما أن القوانين في العلوم الإنسانية من الصعب القول إنها تخضع لحتمية ثابتة نؤسس عليها القانون , و نمارس التنبؤ بحدوث الظواهر لأن القانون في العلوم الإنسانية مرتبط بإرادة الإنسان , و هي إرادة متغيرة , و تعبر عن حرية , و حتى إن بنينا القانون على استخدام الأساليب الإحصائية في ضبط سلوك الإنسان , فإن النتائج تبقى احتمالية و تقريبية فقط لأنها مبنية على شروط مصطنعة .
إضافة إلى أن اللغة التي نستخدمها للتعبير عن نتائجها هي لغة وصفية كيفية تفتقد إلى الدقة , و يصعب الاتفاق عليها , سواء في علم الاجتماع و مفاهيمه أو علم النفس و تفسيراته أو علم التاريخ و لغة المؤرخ , و من هنا تغيب لغة الكم و التقدير , وتتحكم سلطة القيمة , و المعيارية , و فقدان مصداقية النتائج و علميتها .
(( و كل هذا يظهر لنا القصور و العجز في نتائج العلوم الإنسانية التي تبقى مجرد تعميمات و أحكام احتمالية مطاطة , من الصعب معها تدوين قوانين تصور لنا بدقة ما سيكون )) .
لكن مع كل هذه النقائص و العيوب في النتائج التي حتمتها طبيعة الموضوع و تعقده , تبقى العلوم الإنسانية لها قيمتها و فائدتها , و أنها قد نجحت إلى حد ما في الاتصاف بسمة العلوم و خدمة الإنسان : كيف ذلك ؟
ب ـ قيمة العلوم الإنسانية و فائدتها :
إن طبيعة و مسائل العلوم الإنسانية مكنت الباحث في هذه الميادين إلى تنويع أساليب البحث و الدراسة فيها , أبدعوا مناهج تتشابه مع بعض المناهج في العلوم التجريبية , و تجاربها , و التزموا من ناحية أخرى ببعض أساليب البحث التي تلاءم و تنسجم مع الطبيعة موضوعاتهم .
و هذا ما مكن من شأن العلوم الإنسانية و التعبير عن قيمها في فهم الإنسانية و التعبير عن قيمها في فهم الإنسان و واقعه وأبعاده المختلفة .
فالمعرفة التاريخية :
تخدمنا من حيث أنها تطلعنا على أن الأحداث تتشارك في إنتاجها عوامل متعددة تعبر عن أبعاد الإنسان المختلفة التي يجب مراعاتها إذا أردنا فهمه .
 كما تعرفنا على طبيعة الحراك الإنساني و صيرورة الأحداث و تقلب الظروف و الأحوال في شكل أدوار وجب احترامها و معرفة قوانينها .
 كما تخدمنا المعرفة التاريخية في معرفة كيفية التحكم في الأحداث , و طرق التعامل معها بتراهة و عدل بلا تحير لفهم دلالتها الحقيقية .
 كل هذا يجعل من المعرفة التاريخية أرقى وسائل التكوين الثقافي و التوعية , و استخلاص العبر و اعتماد الحكمة في النظر إلى المستقبل و عدم تكرار عثرات الماضين .
 من خلاله نعرف طرق التحضير و الاستقرار , و أسباب التراع و الصراع و فنون السياسة و الحروب و الصنائع , وعوامل الزوال و الانحلال .
 إنه يعطي للإنسان هويته و يعرفه بمقوماته و جذوره وأصوله و أبعاد هويته لأن الأمة التي ليس لها تاريخ أمة بلا جذور .
 التمكين من فضائات التحرر و رسم معالم المستقبل و حدود المصير المشترك مع الغير .
و المعرفة النفسية :
تجعلنا نفهم كيفية الإحاطة بالحادثة النفسية وأبعادها الشعورية و اللاشعورية و ارتباطاتها العلائقية في المحيط , و تشكلاتها .
 و تخدمنا تعدد المناهج فيها في التعرف على ميادين التعامل النفسي و فهم دوافع الكائن الحي و الإنسان خصوصا .
 و من هنا يمكن للإنسان التعرف على نفسه و ما يجري فيها , و الكشف عن خلفياتها قصد التحكم فيها و مراقبتها , و طرق التعامل مع الغير و احترام ذاته , وتفسير ردود أفعالها .
 كما أن المعرفة النفسية تمكن من استنباط العلاقات الضرورية بين الظواهر النفسية و توظيفها لخدمة الإنسان : من جهة التهذيب أو الوقاية , أو مجالات علاجية ...
و أما المعرفة الاجتماعية :
 فتخدمنا من فهم الظواهر الاجتماعية و الاطلاع على كيفية بناء العلاقات الاجتماعية و تفاعلاتها المختلفة في محيطها , و وسائل قياسها و التحكم فيها .
 إنها تمكننا من تصنيف الجماعات و وظائفها و خصائصها , في إطار وعي الذات الاجتماعية كأجزاء متكاملة متصلة , تترابط قيما و يوجهها تنظيم العمل و أبعاد التضامن .
 التعرف على طبيعة المجتمعات الديناميكية و الآستيتيكية و جوهر الاختلاف بينهما , وعوامل التطور و التحضر , و أسباب التخلف و الصراع .
 و من هنا نرتقي بمستوى الوعي الاجتماعي و تهذيب الثقافة الاجتماعية , و التعايش السلمي , و إدراك الخصوصية الثقافية و قيمة الانتماء , و حدود العلاقات الاجتماعية , و قيمتها و إلزاميتها .
خاتمة المشكلة :
قيمة العلوم الإنسانية لا يمكن إنكارها , مهما كانت نتائجها نسبية , و دراستها تخضع لكثير من العوائق , لذلك يبقى هدفها الذي قامت من أجله دافعا للاجتهاد في البحث و الإبداع في الطرق و المناهج التي تدرس بها الظواهر الإنسانية , و السعي لبلوغ الدقة , و التنبؤ , كما هو الحال في العلوم الطبيعية .

تحياتي لكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فلسفة العلوم -- في العلوم الإنسانية و العلوم المعيارية --
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» فلسفة حماااااااااااااار
» كتاب زاد العلوم الفيزيائية 3 ثانوي.
» مطويات كليك في العلوم الفيزيائية 3 ثانوي
» حوليات الفائز للبكالوريا في العلوم الطبيعية
» سلسلة المجتهد في العلوم الفيزيائية 3 ثانوي .

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المدية :: - القســــم الجامعــــي - :: كلية العلوم القانونية والإدارية-
انتقل الى: